
وشاباً لها. كان ذلك في سنة ١٩٣٩ وكانت بوادر الحرب تنذر بالعواقب الوخيمة. وكان آباؤنا لا يزالون يحدّثونا عن الجوع الذي فتك في جسم الأمة في الحرب العالمية الأولى. وأخذنا نفكر! من الفقير يمدّ له يد المساعدة؟ من العائلات المستورة يرحم ضعفها ويأخذ بيدها في طريق الحياة الوعرة؟ من المرضى الذين لا مأوى لهم ولا نصير؟
«ولم تلبث الفكرة إن اختمرت في الرؤوس فإذا جا تخرج إلى حيز الوجود وتتبلور في شكل جماعة من الجنسين أحسوا بآلام الناس فاحبوا مساعدة الناس. ولم نعدم وسيلة لجمع الأموال الكثيرة وصرفها في طرق البر والاحسان. لقد فرضنا على نفوسنا اشتراكًا شهريًا يؤديه كل منا بلذة وسرور كما إننا فرضنا اشتراكات معينة على قسم كبير من عائلات اللاذقية الميسورة. ونحن نقيم الحفلات الاجتماعية المختلفة ونحيي الليالي الساهرة الراقصة، وتتفنن في إقامة الياناصيب والأسواق الخيرية، فندعو إلى هذه الحفلات وهذه الأسواق عالية القوم فيلي طلبنا أهل الخير والأريحية وكلهم راغب في المساهمة مساهمة فعلية في عمل البر والاحسان.
«وبعد لماذا تريد أن أخبرك؟ الحكومة؟ نعم أنها تساعدنا وإن كانت مساعدتها ضئيلة، لقد تبرعت لنا بمثل ليرة سورية. كما أن غبطة البطريرك الكسندروس ساعدنا بمثل هذا المبلغ. كذلك مؤسسة الميره تشعر معنا وترى في حركتنا ما يوجب المساعدة فهي تسلمنا الحبوب بأسعار رخيصة. وهكذا تفعل البلدية أيضًا مما يجعلنا شاكرين لهذه الهيآت الرسمية تشجيعها وإحساسها. ونحن اليوم نساعد عشرات العائلات الفقيرة في هذه المدينة، نوزع عليهم الحبوب والخلطة مرتين في الشهر، وندفع عنهم ثمن الأدوية، ونختم بمرضاهم ونرسلهم إلى المستشفيات عند الضرورة. فأنت ترى أن الفكرة التي راودت أحلامنا ما لبثت أن تحققت وكان في تحقيقها أكبر تعزية لنا نحن أبناء هذه المدينة.»
شكرت السيدة أوديت سعادة عيش على حديثها القيم واستأذنتها في الانصراف، وأنا مطمئن إلى أن تزول الطبقة النبيلة في لبنان وسوريا، إلى ميدان المجتمع سيخفف كثيرًا من آلام هذا المجتمع ومآسيه.
وفي اللاذقية جمعية لا تقل شأنًا عن الجمعيتين السابقتين إن لم تكن تفوقهما فائدة لأنها تقيم بتربية الأطفال والسهر عليهم لينشأوا صحيحين في
عقولهم واجسادهم. وهذه الجمعية تعرف باسم جمعية رعاية الطفل. تأسست سنة ١٩٤٥ باهتمام خاص من سعادة الدكتور رشدي الجابي مدير صحة اللاذقية. وتعطف على الجمعية جميع الهيآت الرسمية ويقوم بإدارتها فريق كبير من فضليات سيدات وآسات البلدة برئاسة السيدة وديعة حرم الوجيه الكبير علي هارون.
ولحرم عطوفة السيد عادل العظمة، محافظ اللاذقية، اهتمام خاص بهذه الجمعية فهي تشملها برعايتها وتبذل جهدها في سبيل تقدمها. وهي رئيسها الفخرية.
لم استطع أن اجتمع إلى أعضاء هذه الجمعية وذلك لتغيب الكثيرات منهن عن اللاذقية ولكني استطعت أن أحصل على معلومات وافية من السيدة وديعة هارون رئيسها العملية التي تلطفت بالمعلومات التالية:
«غاية جمعيتنا الأساسية السهر على تغذية الأطفال الفقراء المحرومين من حليب أمهاتهم لسبب من الأسباب والعناية الصحية بهم تحت إشراف طبيب الجمعية وإمدادهم بالعلاج والقويات اللازمة وإعطاؤهم بعض الألبسة من آن لآخر. وتسهر الجمعية على صحة الأم وقم بإعطاء الأمهات إرشادات للعناية بصحتهن وصحة أطفالهن.
«لقد لاقى مشروعنا بعض الصعوبات في بادئ الأمر، شأن كل مشروع جديد، ولكن ذلك لم يطل أمام تفهم الرأي العام ما للسهر على الطفل والعناية به من فائدة في إخراج جيل من الأصحاء.
«إننا فخورون بأن نقول إن جمعيتنا قد عالجت وأشرفت على ما يقارب المئتي طفل. وقد تعهدت الجمعية كلاً من هؤلاء تمهدًا كاملاً حتى بلغ كل منهم ستة كاملة من العمر. وقد سجلت الجمعية حوادث مرضية مختلفة تثبت لها أن الغذاء الصحيح والعلاج الدائم كانا سببًا في اتخاذ هذه الحالات مما قوّى أيماننا بضرورة توسيع نطاق عملنا لنقل حوادث الوفيات في الأطفال.
«وتفكر الجمعية اليوم أن تأخذ أكبر عدد ممكن من الأطفال وتوسع نطاق الاهتمام بعلاجهم وتعمل لهم مستوصفًا مجانبًا عامًا تحت إشراف اختصاصيين رسميين. كما أن اهتمام الجمعية لا يقتصر على العناية المادية بالطفل فهي أيضًا تفكر بالعناية الروحية والتهذيبية وذلك بإقامة حفلات ومحاضرات للأمهات ليتمكن من إخراج جيل جديد يتمتع بصحة جيدة وخلق قومي صحيح. هذه هي جمعيتنا، وهذه هي أهدافها، وفي سبيل الوصول إلى هذه الأهداف نقيم الأرض ونقعدها ونثيرها ضجة صحابة في سبيل جمع المال.»

