وكيف لا يكون قيصرية، هذا البناء الوادع المطمئن، الرابض على قمة لبنانية ترقق بها الضباب الاغبر، فما لفها الا انما رفيقاً هفافاً، من شأنه ان يقطع ما بينها وبين الارض من اسباب، ليعلقها في اعالي الفلك كوكباً سوياً.
أجل ! كيف لا يكون، وهو، فوق هذا الجمال، انما قد بني للفن. فنت، ان اتيح لك ان تدخله كما اتيح لي، تلقي نفسك في حضرة الفن امام لوحات اتكأت على الجدر في لا مبالاة المعجب بنفسه - لوحات سكب فيها الجميّل روحه وشخصيته الواناً وظلالاً غنية التعبير فكرة وعاطفة وخيالا. وكم يطيب لك ان تنظر اليها وتطيل النظر، لا لانها على روعة لا تحد، بل لانها تحبو الى قلبك في رفق وتحنان فتشيع في رحباه الحب والدفء.
ولكن... على الرغم من وجود هذين: الجمال والفن، فحسب القيصرية قيصرها. فانت قد لا تؤخذ بما يجسده قيصر الجميّل من شخصيته الواناً وظلالاً، وقد لا تعجب به، بل قد تخاله ادنى مما ينبغي وله ان يكون، بيد انك تؤخذ، ولا ريب، بشخصية قيصر الجميّل، وتعجب بها، بل انك لتخالها قدت من رفعة لبنان وشموخه الوديع. وما اذكر اني جلست الى قيصر الجميّل مرة، الا وخيل الي اني جالس الى لبنان دماً ولحماً: قامة فارعة، ورأس تربع على عليائه الشعر في عزم وسلطان، ووجه تبوح قسماته بما انغلق في اعماق صاحبه من عوالم رحبة، سخية بالعطاء والاخذ، كئيبة في مرح، رضية على الرغم من قلق الحاضر، واثقة بالغد، متحفزة الى عناق مصيرها فيه عن ايمان وفي بنعمة الحق.
الى هذه القيصرية، اذن، سمونا صباح ذات يوم. وقد كنا أربعة، حسبي ان اذكر منهم الفنان صليبا الدويهي.
ويدور الحديث دوراته، فلا يسلم منها شأن من الشؤون. فاذا بنا نتفق على ان الوضع الراهن في لبنان وضع تعيس. وهو تعيس، كذلك، في كل معبر من بقاع الارض. فالى اين تسير البشرية؟ ان الانسان الحديث لضحية نزاع عنيف بين عهد قديم يتمرد على الزوال وبين عهد جديد يدق بشائره دقاً عنيداً. ومن يحسب ان موضوع هذا النزاع من السطحية بحيث ينحصر في الانظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فقد ضل ضلالاً بعيداً. فما هذا الذي نشهده بين الشيوعية والرأسمالية سوى مظهر خارجي لنزاع اعمق موضوعه الحرية، هذه الحرية التي لن يكون سواها موضوعاً جديراً بنزاع البشرية نزاع موت او حياة.
فمن اجل الحرية، اذن، حرية الانسان في ان يحيا ويموت كما يريد، تشهد هذا النزاع القائم في فلسطين، وفي مصر، وفي لبنان والشام، وفي الهند، وفي اوربة الغربية والشرقية، وفي افريقيا، وفي اميركا جنوباً وشمالاً. وهو نزاع لن يضع اوزاره ما لم تتربع الحرية على عرشها في ملكوت تسود فيه المحبة.
أجل، نحن تعساء، تعساء كلبنانيين، وتعساء كمواطنين في هذا العالم الكبير المضطرب. وتعاستنا هذه انما مصدرها، كلبنانيين، اننا اضعنا جذورنا في التاريخ، فاصبحنا في بدء نهضتنا نبحث اننا عن تراث نعيشه فنعيشه ونبني عليه. ما يقتضي لوجودنا من فضائل الفكر والحياة: اهو التراث
التتمة في الصفحة ٤١

