لتحطم سلاسل الزمن ونفك قيوده فتتحرر ، ولنفترض ان العصر واحد من العصور الخوالي ، وليكن القرن الخامس عشر .
ففي ذلك القرن كان البابا حاكم الدنيا القديمة ، في الغرب ، واميرها المطلق ، يحكم بما يشاء وكيف يشاء ويسري حكمه على كل من تبعه ، لا فرق بين سيد ومسود ، ملك ومملوك .
وكانت سلطته هذه أبعد من ان تصلها ألسنة المتمردين الناقمين او تمتد اليها أبصار احد من الناس .
وذات يوم من الايام سمع البابا أن فناناً فذاً ، قلما تجود الحياة بمثله ، يعيش في فلورنسة - تلك البلدة الطيبة ، الهادئة حيناً الثائرة احياناً -
فهتف بنفسه هاتف المجد ، ولعبت بجلده انامل الخلود ، فرغب اليه بالمجيء ، فأتاه ودخل روما الحاضرة ، فأبصر به اهلها فسألوا : من هذا ! ؟
فقيل لهم :
- ميخائيل انجلو بوناروتي .
*
ورحب البابا بهذا الشاب الغريب الزي ، المحطم الانف ، الكشف اللحية ، يسير في رواقه دون وجل ، غاضب على كل انسان ، حاقد على كل شيء . وقد أظهر يديه حتى اذا حاذى صاحب القداسة انحنى تبعاً لعادة سائدة ثم انتصب من جديد
يحادثه وجهاً لوجه بصوت متزن النبرات ، ثابت الجرس ، فكانت الاذرع والايدي بحركاتها العديدة تدل على ان كلامها كلام خيالي انطوى على مشروع خاص لانشاء نصب ضخم فريد .
وبعد ساعة او ما يقربها التفت رجل الدين الى رجل الفن يقول :
- وكم تبغي أجراً لعملك هذا ؟
- مئة الف « سكودي » .
- فاذا جعلناها مئتي الف ... اتوافق ؟
هيا ... ابدأ بالعمل .
- إنه لكرم من الكنيسة فذ ، دون شك .
*
خرج ميخائيل انجلو يقتطع الرخام كما يشاء
وينحته تماثيل كما يهوى ، ويعمل ليل نهار دون راحة او قيلولة ، وفي نهاية الاسبوع يتجه الى خزينة البابا ويدخل عليه دون استئذان فيستوفي أجره ويجد في ملمس الدراهم برودة تلطف حدة تعبه وتهدأ اعصابه المنهوكة حتى اذا استقلت « اورورا » الفاتنة عربتها الذهبية فجر اليوم الثاني تململ الشاب في فراشه ثم نهض مفعماً بالنشاط والقوة ، على ثغره ابتسامة المؤمن بنفسه ، المحب للحياة لا شغفاً بها بل لانها حقبة من الزمن تفتح له مجال الخلق والابداع .
وراحت الايام تحب حباً خفيفاً كأنها تنتقل على وقع مطرقة انجلو وايقاعات ازميله ، وتتساقط شظايا الرخام هنا وهناك فتتحرر التماثيل جميلة حية ، قوية ، مؤثرة ، تتحدى


