بشكلها وجبروتها الانسان وعظمته وتشمخ بأنفها نحو الخلود .
وظلت الايام على منوالها هذا الى ان خرج من الظلمة رجل من اولئك الذين خلقوا للحياة في الظلمة فعرقل سيرها ونم على انجلو وأسر الى البابا كلاماً خاصاً لم يسمعه احد اذ ذاك ، ولم يعلم بنتيجته سوى شخص واحد فقط هو الذي يعرف خبايا الاحاديث المشابهة - وخازن المال هذا - كما لا يخفى على احد - هو دائما القسم الذي لا ينفصم عن جريمة السلطة .
وغدا من الصعب على انجلو ان يجد سبيله ممهداً الى الاعتاب المقدسة ، فأخذت الدراهم تخف بين يديه ويخفت رنينها ، وماطله المسؤولون وتأخروا عن موافاته بحقه يوماً اثر يوم الى ان واجهه خازن المال بقوله :
- لدي من قداسته امر بطردك فهو لا يود رؤيتك ابداً ! ..
أنا اعرفك جيداً واجلك ولكنها الاوامر العليا .
ومسادت الارض بكل شيء الا ميخائيل انجلو ، وأحس بحرارته ترتفع وترتفع ، وبصدره يجيش بالغضب والحنق . فنظر الى الحازن زاماً شفتيه ، رافعاً بأنفه الافطس المحطم ، وقد ارتجت لحيته واهتز شاربه الغزير الاشعث وانفرجت شفتاه عن لعنة لو عرف معناها المسؤولون لتبدل تاريخ الفن تبدلاً خطيراً ...
وفي اليوم الثاني نشر البابا بين يديه ورقة عليها كلمات قليلة كتبت بخط رجل عصبي حانق :
« ايها الاب الاقدس ،
لقد طردتُ من قصرك في هذا الصباح وبأمر من قداستك ، فلئن احتجت الي مرة اخرى ، عليك ان تبحث عني في مكان آخر غير روما » .
وباع انجلو ممتلكاته وحوائجه ثم امتطى جواده الى مدينة الازهار .
وفي فلورنسة يحترم الاهل رجالهم ، وميخائيل انجلو رجل تظن بمثله الآلهة ، فلا غرو ان دافع عن نفسه ودافعت عنه المدينة بكاملها . فحين وصلت رسل البابا تطلبه - بالقوة اذا اقتضى الحال - فهمت ان شيئاً مثل هذا صعب ، وان
أية يد تمتد اليه سوف تقطع ، واي رجل يقترب منه بسوء سيلقى حتفه دون تردد . انه لجميل ان يشهد المرء نزاع الفن والدين في شخص احب كليهما ... ولكنه فضل الفن ولم يخف ...
*
تساقطت على فلورنسة رسائل روما وتتالت تطمئن الرجل على العودة الى الحاضرة وقد كتب البابا في احداها الى حاكم المدينة يقول :
« ان ميخائيل انجلو المال ، الذي تركنا دون انذار او اهتمام

بنا يخاف فيما نعلم ، العودة . اننا لا نضغن عليه ولا نحقد لاننا نعرف عادات أمثاله من الرجال واخلاقهم . فباستطاعته ان يجلاً بكل ظن يظنه بنا . كما اننا نرغب في تذكيرك بأنه ينبغي الاذعان لنا ولارادتنا ، ولذلك نسألك ان تعده باسمنا ان هو عاد الينا فانه يعود حراً ، مؤمناً ، ونرحب به بالشعور الحار الذي كنا نضفيه عليه قبل ان يرحل » .
ورسالة كهذه ثقيلة الوطأة دون شك على حكام فلورنسة ، وقد ادرك انجلو انه ان اهملها لحقته أشر الخطوب ، ولما وصلت الرسالة الثانية ارسل الحاكم وراء انجلو ليقول له :
- انك عاملت البابا كما لا يجرؤ على معاملته ملك فرنسا
