وان المرأة في نهضتها اليوم لن تنسى ما سمعت من صوت رفيق في ليلها الساجي، فكان يردد في السحر همسات الروح المخلصة لتكون الحداء المؤنس لسير ركب المرأة وهي في صحراء الجهل بين اطياف الاوهام وغياهب الاضاليل.
وان صوت الروح لموقظ للروح. فقد سار ركب المرأة من بيداء الاسترقاق الى نور النهضة المباركة.
وكان الفضل لاصحاب الصوت الموقظ ولما يصدر عنه من اخلاص وعقيدة وايمان وتطلع الى التقدم والنهوض.
وان المرأة لذلك ترحب بقدم السيدتين الكبيرتين: سلمى صائغ وماري يني عطالله. ترحب برجوعها الى بلاد عملتا لخدمتها وجاهدتا لرفع شأنها، وكانتا ممن نفح الشجاعة للمرأة لتخطو الخطوة الاولى في سبيل التحرر من ربقة الجهل وما يستتبعه من ذل ومهانة.
فقد أذنتا في فجر النهضة بوجوب اعلاء مستوى المرأة، وقادتاها لتكون مساوية للرجل مشاركة له في حمل اعباء المسؤوليات العظمى في خدمة الوطن واصلاح المجتمع.
لقد غابتا عن الوطن مدة من الزمن فلم يكن النأي ليبعد عنا آثارهما الادبية. ولم تكن المسافات لتنسينا امهات النهضة النسوية في العالم العربي.
وما زلنا نرقب رجوعها لتستلهم النهضة قوة في الجهاد الوطني نحو المثل العليا من الرفعة والمجد. فنحن نرغب ان يصل الوطن الى التحرر الحقيقي المنشود. التحرر من التيارات الغربية الجارفة في المعتقدات والعادات، والتحرر من الاهواء الذاتية الاثرة، والتحرر من التناحر والتنافر فنكون - كما نرجو - امة متكاتفة تشكل كياناً فرداً حراً كريماً نبيلاً، نبيلاً في روحه ومنهجه واهدافه. لا نتقيد باطماع ولا نغترف من مدنية الغرب بدون غربلة لما فيها من القيم فالنجاح لا يتوقف على التقليد والاقتباس بدون روية وتمحيص. ولا يتوقف على الشكل بل على الكيفية والجوهر فلا يجب علينا نحن النساء ان نتخلى عن قيود الاجتماع الخلقية التي عرفها الشرق والتي تضفي على المرأة الشرقية روح الحفر والصيانة.
فلا سبيل الى ان ننهض بامة من كبوة الضعف وذلة الخذلان الا بقوى معنوية وايمان راسخ بالاهداف المشتركة يدفع الافراد والجماعات الى العمل المفيد، ويبعد بهم عن عوج الميل ليعلوا بخلقهم الى الكمال العقلي والسمو الروحي. ولن ترقى امة ما لم تعرف فضل المصلحين من ابنائها فتستطيع ان تستكشف كوامن الشخصيات القوية في المواطنين ذكوراً واناثاً، فتعمل على مساعدتهم وتبريزهم ليقوموا بالخدمات اللازمة، وتعمل على تعظيمهم وتكريمهم في الحاضر القريب قبل ان يكرمهم التاريخ وتعترف بفضلهم الاجيال في المستقبل البعيد.
فعنوان المدنية الصحيحة مدى ما يصل اليه مصلحوها من التعظيم.
وعنوان المدنية الزائفة مقدار ما يستعلي به النفعيون من التبجيل فوق اشلاء الشعوب.

