شهدت «فلسطين» ـ في منتصف شهر يوليو الفائت ـ حدثاً قومياً جليلاً يعد بلا ريب من مواقف النضال الخالدة بين العبودية والتحرر، بين الفناء والبقاء.. وذلك حين تفتحت بصيرتها على اعظم مأساة تمثل على مسرح بلادها وتشهدها الإنسانية قاطبة، إذ استلبت حقوقها وبيعت بيع السباح دون ذمة ولا حق، فتنادت إلى مؤتمرات ثلاثة: للرجال، فالشباب، فالنساء، لتدفع الخطر وتقول كلمتها في أمرين عظيمين يرتبط بها مصيرها وهما: حفظ الأرض والمقاطعة. تقولها قوية عزيزة مانعة، فيها القول الحق، وفصل الخطاب..
هوذا المؤتمر يقام في «بيت المقدس». وذلك يومه عظيم الدلالة، ساطع الآيات. وتلك الإعلام رمز المجد العربي، تخفق من عليائها وتحف به كواكب النصر وكتائب الخلاص، أغذت السير لنجدة البلد المقدس! وانتظم الحفل، وعلت المكان رهبة سادها جلال، على حين انسابت إلى الآذان نغمات عمقية حنون من فتيات ينشدن نشيد العلم...

علا صوت الفتيات نافذاً مشجياً، وتصاعد في الأجواء، ونفذ إلى الجوارح، فجاشت عواطف، وخفقت قلوب، وانهلّت مدامع... ذلك أن «فلسطين» لا علم لها، لا نشيد لها، والعلم والنشيد: شعار العزة، رمز السيادة، شارة الحرية. وآيات العزة لمن استعمر، والسيادة لمن قهر، والحرية لمن
وحنّت على «فلسطين» الإعلام، ورقّت عليها بمثل حنان الأم، وقد اهابها صوت الحق يجهر من ديار النيل ودجلة وبردى والأرز وسفوح الهملايا: فلسطين فدى لك كل مرتخص وغال، سيكون لك فجر ناصع كالحق، خالد كالعدل، مشرق كالضياء..
وانبعثت «فلسطين» وقد سالت جراحاتها قطرات كان منها مدادها، تشكو من بيت المقدس، وجبل النار، وكل مدينة وسكن؛ تشكو «افناء أمة، بيع شعب في سوق الاستعمار والاستعباد، وتجدد وفاءها للعهد، وما وهن لها منذ فجر النضال عزم، لا ولا لانت لها على المحن قناة، ولا تزعزع لها على النوائب يقين. انبعثت لتقول كلمتها في بلاغ بليغ، ليقولها الشرق للغرب: لا. لا. لا استعباد بعد اليوم، لا استهانة بضعيف، انما للضعيف القوة من الحق، انما البلاد لاصحابها. والعزة للعرب...»
وعلا صوت «لبنان الأشم» يعلن صدق الوفاء في كرم التضحية، وتلته «سوريا الأم» تعلن ما يعلن في صدق وتصميم، وأيدتها «مصر» قبلة العروبة فصدقت وبلّغت، وهتف المغرب المكروب، يناصر الأخوة ـ على بعد الدار ـ وانه وإياها في البلاء
على أن صوتاً جهيراً أيدا لم يُسمع. أين صوت العراق المنجد، أين هو حار حرارة الصحراء، عزيز عزة الإباء؟ بغداد الخالدة: أتذكرين يوم ناديتك عبر الأثير من بغداد في الأمس القريب؟ يوم قلت فاصغيت واهتزت لك من
