اقول هذا وفي خاطري اننا، في هذه البلاد، كثيراً ما نريد ما لا نعرف، او لا نريد ما نعرف، او لا نعرف ما نريد. فارادتنا لما لا نعرفه تدفعنا الى ارتكاب خطأ منطقي هو جعل الارادة سابقة للمعرفة او، على الاقل، منفصلة عنها. ومن جهة اخرى فان ارادتنا لما لا نعرفه ينحدر بنا الى مستوى الغوغاء في الاندفاع وراء المجهول اندفاعاً عاطفياً اعمى. فطالما نادينا بالوحدة ونحن لا نعرف معرفة عميقة صحيحة دعائم هذه الوحدة؟ او سعينا وراء القومية دون ان يكون لنا فكرة واضحة نقية عن ماهيتها؟ او انضمنا تحت لواء فكرة، وتحمسنا لها، وحللنا مشاكلنا على ضوئها وليس في اذهاننا وعي تام لها وفهم جلي لمستنداتها ومصادر تكوينها؟ واخيراً، وبكلمة واحدة، طالما اردنا ما لو نعرفه حقاً، لما اردناه، بل لنبذناه، اذا كنا مخلصين، نبذاً قاطعاً.
وكثيراً ما لا نريد ما نعرف، اما لاننا فقدنا فاعليتنا وحيويتنا فطاب لنا الاستسلام الى الاحلام والاوهام، واما لاننا خونة لا نخلص للمعرفة، وجبناء نخاف من انتفاضة الجهل علينا. ففي الحالة الاولى نقيم الدليل على نقص انسانيتنا، وفي الحالة الثانية نصدر على انفسنا الحكم بعدم اهليتنا للحياة والحرية. فاذا لم يكن في بلادنا، حتى في هذا القرن العشرين، وجود للحياة والحرية الفكريتين، فما ذلك الا لاننا لا نشق طريقنا اليها على جماجم الشهداء والضحايا، كما فعل الغرب قبلنا منذ خمسة قرون. فنحن نريد الحياة والحرية ليس على اساس القليل الذي نعرفه ـ لاننا نخاف ونجبن ـ بل على اساس الكثير الذي لا نعرفه ـ لاننا نتفادى بذلك انتفاضة الجهل علينا، متمثلاً في الغوغاء، وفي التقاليد الموروثة البالية.
واخيراً، كثيراً ما لا نعرف ما نريد، معرفة صحيحة واضحة. ولذلك ترانا نتسكع في ظلمة الحيرة والفراغ. واذا كنا نعرف قليلاً مما نريده، فانما معرفتنا له لا تتعدى حدود التعميم. فنحن نعرف مثلاً اننا نريد الاصلاح، ولكن الاصلاح تعميم فارغ لا قيمة لارادتنا اياه ان لم نعرف ما هي الاسس الصحيحة التي ينبغي لنا ان نبني عليها هذا الاصلاح المراد تحقيقه. أهي اسس مستمدة من تاريخنا فقط؟ ام من تاريخنا وتاريخ غيرنا من الامم المتمدنة؟ ام لا من هذا ولا من ذاك بل من معين الحضارة الايجابية العالمية القائمة اليوم؟ ومن ثم هل الاصلاح الذي نريده مبنياً على اسس صحيحة، كائنة ما كانت، هو اصلاح سياسي، ام اقتصادي، ام علمي، ام اخلاقي؟ وهل نحن بحاجة حقيقية الى اصلاح ام الى ثورة ـ ثورة اخلاقية وفكرية قبل كل شيء، تنقلنا من القرون الوسطى الى القرن العشرين ـ اي خمسة قرون الى الامام؟
نحن، في الحقيقة، لا نعرف ما نريد. وهذا سر بقائنا في الظلمة، نحتفر، كالمناجذ، اوكارنا ونأوي اليها مطمئنين من جلبة النور، وحرارة الشمس الصاخبة. المعرفة، في النهاية، ارادة تعمل وتبني في ألم وتضحية. فعوضاً من ان نعرف ما نريد، نلتجي، كالغوغاء، الى ارادة ما لا نعرف، ونحجم، في خيانة وخوف وجبن، عن ارادة حتى القليل مما نعرف.

