
كل من ينظر الى مستقبل اللغة العربية نظرة غير ضيقة الافق يرى انه اذا كان لا بد لهذه اللغة من الحياة فعليها
ان تجتاز سلسلة من التطورات والاصلاحات التي لا غنى عنها لتصبح لغة عصرية تجاري غيرها من اللغات الحديثة.
وسأوجز هذه الاصلاحات فيما يلي.
١ - توسيع مفرداتها والافادة من شتى طرق النقل والنحت والاشتقاق لاغنائها بالمصطلحات الحديثة.
٢ - اصلاح الخط العربي ليصبح اسهل طبعاً وقراءة وقد بذلت في هذا السبيل بعض المحاولات، احدثها محاولة الفنان اللبناني نصري خطار وتقوم باحداث تغيير في شكل الحروف بحيث تكتب منفصلة طبعاً وخطاً. لكن مشروعه على ما فيه من حسنات لا يزال ناقصاً لانه لا يتناول في الخط مشكلة اساسية وهي مشكلة اثبات الحركات (الضمة والفتحة والكسرة) على الاقل التي تتوسط الكلمة، واستنباط حروف تقوم مقامها كما في الفرنسية والانكليزية وليس يخفى ان اهمال هذه الصوتيات في الطبع وفي الخط يجعل ضبط القراءة صعباً بل متعذراً في بعض الاحيان.
٣ - توسيع الابجدية العربية. في ابجديتنا ثمانية وعشرون حرفاً مقابل خمسة وعشرين في اللغات اللاتينية ومع هذا تفتقر لغتنا الى بعض الحروف اللازمة لكتابة الاعلام الافرنجية الشائعة في التاريخ والجغرافيا والصحافة والتي اذا كتبناها في العربية لا يستطيع احد ان يفهم اصلها، اما السواكن نظير G. P. V. فقد استطاعوا الاشارة اليها بعلامات خاصة فوق الفاء والباء والكاف. لكن ذلك تدبير وقتي وطريقة غير عملية وافضل منها وضع حروف تقابلها وحروف اخرى تقابل الصوتيات لاسيما O. U. E. وقد يمكن نقلها كما هي مع بعض التحوير اذا كتبنا الحروف منفصلة على طريقة نصري خطار او على الطريقة الفرنجية.
٤ - تبسيط قواعد اللغة وهي نغمة قديمة وقد كثر الكلام عنها وخطت نحوها كتب القواعد الحديثة خطى ضئيلة متفرقة ولا تزال الحاجة شديدة الى تبسيط واسع النطاق تقوم به جهود علمية متكاملة من قبل جميع الاقطار العربية.
٥ - اصلاح اللغة الكلامية والتقريب بين الفصحى
والعامية. وهو الموضوع الذي اود الاشارة اليه ببعض التفصيل لانه في متناول المدرسين وفي وسع كل مثقف ان
يساهم فيه. هذا النوع من الاصلاح يتخذ عدة اشكال احدها تبسيط الفصحى وتسهيلها وتعديل عبارتها بصورة تناسب الذوق العصري. ثانيها توسيع حركة التبادل بين اللغتين الفصحى والكلامية فهناك الفاظ نظنها عامية وهي فصحى قاموسية مثل عيّط - فوطة - مرق - راح - حط. ومن الضروري استعمالها في الفصحى. والفاظ اخرى عامية تستطيع الفصحى اساغتها لحقتها ومناسبتها مثل: مشكل، منتزه، دعاية، مديون، تمة، حاووز، كبوت، حازوقة الخ. وتعابير واصطلاحات اخرى يجب ادخالها في صلب اللغة. وثالثها رفع مستوى اللغة الكلامية لتصبح اقل تشوهاً وخشونة. واخيراً اصلاح النطق والتلفظ والتخفيف من وطأة اللهجات المحلية البارزة الثقل الواضحة الازعاج.
والامر الذي يجب ان نضعه نصب أعيننا - اذا كنا ممن يهتم امر اللغة - هو ان العربية لا يمكن ان تنمو ولا ان تشيع ولا ان يحذقها طلابها ما دام هذا البون الشاسع بين لغة الكتابة ولغة الحديث ولا تستطيع هذه اللغة ان تثبت للتطورات الحديثة ما لم تصبح لغة كلام وتخاطب. ومعلم اللغة مضطر الى تعويد طلابه استعمال الفصحى المبسطة على قدر الامكان ومضطر ايضاً الى محاولة تهذيب اللغة الكلامية كما يلي:
١ - بأن تنفى منها التعابير الافرنجية النافرة فيستبدل اوتوموبيل بسيارة. مرسي باشكرك. ورق بول بطابع وطوابع. «كور دان» بسواك. كارتابل بمحفظة. بوسطة ببريد. «دوسيه» بملف. الخ. وفي الوقت نفسه نحاول جهد استطاعتنا ان نصوغ الفاظاً جديدة تؤدي معنى الافرنجية كما صاغ احد الطلاب عبارة «جامع اوراق» لتقابل «ليفاكس».
٢ - بأن يُنفى من هذه اللغة كل تعبير واصطلاح يجبه الذوق ويخالف القياس لغير فائدة مثلاً: استعمال جوز بدل زوج، حقيق بدل حنق او غضب، عقد بدل قعد، معلقة بدل ملعقة، قلق بدل أرق، خسل بدل غسل، صفد بدل صدف، زقف بدل صفّق، إجر بدل رجل، بيّي وخيّي بدل أبي وأخي.
– البقية في الصفحة ٦٠ –