اختلاجات قلبي ، أو إشراقة من أساريري أو جبهة من جبيني ، لم تلمسيها ببنانك ، ولم تطوقيها بإحساسك ؟ أيمكن أن أتوجه شرقاً أو غرباً ، أو أخطو خطوة إلى الأمام أو إلى الوراء ، دون أن تكوني معي ؟ ألست في عين العناية الساهرة علي ؟ أو لست في وهمي وخيالي ، وأحلامي ، بل ألست الشعاع الوقاد الذي تستحم فيه أفكاري وإلهامي ؟ إنك ، يا أمي ، اليقظة الدائمة في كياني ، أرقد أنا وأستريح ، أما أنت ، فمنذ أن تكونت جنيناً في أحشائك إلى أن تفتنيني الأبدية - إذا استطاعت إلى ذلك سبيلاً - لا تعرفين الراحة ولا السكون ولا الجهود ، لأنني أنا الصليب الأزلي الذي خلقته لتصلي نفسك عليه إلى يوم أفقد أنا أو أنت الإحساس بالحياة المادية أو الروحية ! ...
المرأة ، يا أماه ، نصف الكون ولكنها قلب الحياة . إنها الكرم والكرام . أبداً للزرع والغرس والبنيان . تزرع وتروي ولكنها لا تحصد . وتغرس وتشذب ولكنها لا تقطف الثمار . وتبني وتزين وتفرش ولكنها لا تسكن .
لقد تتبعت آثارك منذ أن أصبحت كائناً حياً ، منذ أن بدأت تتعرفين إلى وجهك ، وتتعرف الحياة إلى وجهها فيه . فرأيتك ابنة وأختاً . ثم سرت بضع خطوات في تعاريج غامضة ، بالرغم من جمال الأرض وإشراق الجو وموسيقى الفضاء ، فأصبحت زوجة . ثم مالبثت أن أصبحت أماً ...
إني أحببت في هذه الساعة الساكنة الهادئة ، أن أدرسك ، أن أنشر تاريخك ، أن أصور فؤادك ، أن أرسمك بالخطوط والألوان ، لوحة كبيرة ، لعلي أستطيع أن أقول لخيالي وفكري وقلبي : إني رددت إلى أمي قطرة من بحرها ، وأشعاعة من شمسها ، ووردة من حقلها ! ...
لقد توارى وجهك الحبيب عن عيني ، وعيني ليس لها قدرة على البصر ، وذاكرتي على الطبع والتصوير ، فلم يبق لي أثر مادي إلا وهو أثر بعد عين . فقد يخطر لك أن تتساءلي : لم يكتب ، ولمن ، وكيف يتصور ويحس ؟
حقك في هذا التساؤل ، وحقي في أن أذكرك ، إن كل أم في كل زمان ومكان ، هي أمي . وإن دمي وروحي وما أشعر وما أحس هو أنت ، دون أن أنكر فضل أبي . وإني إذا أجهدت خيالي وقلبي لأتصل بجدودك الشاملة ، كل مقلب من مقالب الكون وما وراءه ، فهي رسالة أؤديها ، وأنا أكتبها إليك ، إلى كل الأمهات ، إلى كل النساء ، إلى المرأة ، في مجاهل الأرض ومعالمها ، المرأة التي سبقت الرجل أو المرأة التي لا تزال تشعر بأنه سيدها . وإني إذ أكتب لك أكتب إلى كل مخلوق ، إلى كل ذي وجدان ، لعل هذا الغباء بيني وبين روحك يصبح رسالة إلى المجتمع ومن بعده رسالة المجتمع إلى المدنية ، مدنية الإنسان الذي يريد أن يصبح في مراتب الآلهة ! ...
طفلة صغيرة كنت يوم كنت تحملين هم أبيك وأمك وأخوتك الصغار . أجل ما أن بلغت سنك السادسة حتى توكلت المسؤولية على أكتافك . لقد كنت تشعرين أن أباك وأمك سبب وجودك ، أكثر من أخيك الأكبر أو أخيك الأصغر ، فتسارعين إلى خلق الفرح خلقاً ، فتداعبين وتلاعبين وتثرثرين ، في سبيل أن تخففي من ثقل الجو عن كاهل أبيك ، وإن تلاطفي الحياة ، في فورة طفولتك الطيبة الناعمة الخدومة . وما أن درجت قليلاً على سلم النمو ، حتى تضخمت مسؤولياتك . إن أمك وأباك ليتركان البيت على كاهلك ، وأنت تتذمرين قليلاً وقليلاً ما تتذمرين إلا خلسة وهمساً ، لأن شدة إحساسك ، وحبك البنوي ، جعلا منك كبش المحرقة ، عليك المسؤولية ، وعليك الهم وفيك « فسحة الخلق » .
وأختاً كم أعطيت من نفسك إلى أخيك أو أختك الصغرى ، بل إلى كل من يصغرك سناً من أولاد الحي والجيران والأقرباء

