كنت، منذ مدة قريبة، في زيارة قصيرة الى لندن. وهناك التقيت بسيدة لم التق بها لسنوات. فبدأنا نتحدث عن امور مختلفة كالعائلة والاصدقاء. ولما هممنا بالافتراق،
سألتني السيدة: « قولي لي، حينما لا تكونين منشغلة بالتأليف، كيف تقضين وقتك في « كورنوول »؟ أتعرفين، في هذه القرية، كثيراً من الناس؟ »
فأجبتها: « انني ألزم بيتي، وقلما اذهب الى مكان، ولا اعرف احداً من الناس. »
فقالت: « اذن انت تفخرين بأنك صاحبة بيت، وبأنك عبدة لاولادك. »
فأجبتها: « كلا! ان البيت يهتم بنفسه وهكذا اولادي! »
فنظرت اليّ بتعجب ودهشة وصاحت: « اذن ماذا تفعلين؟ »
وهكذا افترقنا وهي تشك فيما قلته لها. والحقيقة، انني لا افعل شيئاً، وانا مغتبطة بذلك، وآمل ان اظل لا افعل شيئاً الى نهاية حياتي. بيد ان الاغتباط بالكسل ليس من نعم اي كان، ذلك لأن من يستطيع الاغتباط بالكسل، ينبغي ان يتخلق بالبلادة، بالبلادة التي تبعث في نفسه القرف من اللذة والبهجة الجامحة. وقليلون هم الذين يعترفون ببلادتهم، فالبلادة، في النهاية، خطيئة مميتة، افتخر بها. ولكن دعنا ننحدر الى الواقع: النهار، عادة، اثنتا عشرة ساعة. فكيف يقضيها المرء اذا كان، في الواقع، لا يفعل شيئاً؟
لنفرض انني في يوم ما من ايام الصيف الحارة. الفضاء ازرق، والشمس تعتم رؤوس الاشجار في الحديقة. انهض في الساعة التاسعة، فأفرك عيني، وأبسط ذراعيّ، وانظر الى ساعات النهار امامي فاتذكر انني لست على موعد مع احد، ولست، كذلك، على موعد مع شيء. ولولا نصف الساعة التي اتردد بها كل اسبوعين على طبيب الاسنان، لكانت الروزنامة، امام عيني، بيضاء كالثلج. ثم اتناول فطوري، ويقبل عليّ الاولاد لتصبيحي وتوديعي قبل الانصباب على دروسهم. فأطرب عندما اعلم ان اصغر ولد عندي قد اصبح في الخامسة من عمره، ولكنه، على حداثة سنه،
يتمتع بفردية واستقلال! ويطيب لي وانا اتناول طعام الفطور، ان افكر، واغرق في التفكير. ولا يقطع مجرى تفكيري سوى الدعوة الى الحمام. فألبي الدعوة، ثم البس ثيابي،
واجلس الى مكتبي احبر مقالاً لجريدة التايمز لم ينشر مطلقاً، عن موضوع « ضبط الولادة ». ان معدل الولادة في هبوط، وانا اعرف السبب، وكذلك تعرفه كل أم في جيلنا الحاضر. والسبب لا يعود الى القلق الاجتماعي، ولا الى الخوف من القنبلة الذرية، ولا الى الافلام السينمائية. السبب، في الحقيقة، يعود الى اننا لا نريد ان ننجب كثيراً من الاولاد. ولو ان المرأة في الماضي قد اهتدت الى وسائل ناجعة لمنع الحبل لفعلت ذلك ايضاً.
وهنا يصلني البريد، فأجد فيه شيكاً من فرنسا. وهذا الشيك يحتوي كمية من الفرنكات تكفي لاعالة عائلة بكاملها لمدة ستة اشهر. ووزارة المالية لا تسمح لي بأن ارسل غرشاً واحداً الى صديقة لي في فرنسا. انا لا احتاج الى المال هنا، ولكن هذه الصديقة بحاجة ماسة الى قليل منه، ولكنني لا استطيع ان اساعدها. ما هذا النظام الاقتصادي العالمي الذي لم استطع ان افهم اسراره؟؟
ثم اعمد الى ترتيب فراشي وتنظيم الغرفة. ولا اكاد انتهي حتى اصطحب سلتي ومقصي الى الحديقة. فاقتطف بعض الزهور لمكتبتي، كما كانت تفعل السيدات الغنيات منذ مئة سنة، ولكنهن كن يلبسن قفازات وبرانيط واسعة، على عكس ما افعل انا. وهكذا اقضي نحواً من عشرين دقيقة احدق بالازاهير والورود الجميلة واقتطف ما يحلو لي منها. فيشرد بي التفكير الى ايهما اكثر جاذبية: المرأة الحديثة التي تزامل الرجل في اللجان، ام المرأة السالفة في العصر الفكتوري التي كان لها عالمها كما يحدده زوجها، والتي كان لها في المجالس والصالونات متعتها الوحيدة؟
لقد انتهيت من وضع الازاهير في الاناء، وبقي عليّ ان اقتطع بعض الاغصان اليابسة للموقد، فأقول لنفسي: « حقاً ان مشكلتنا مع المناجم هي مشكلتنا نفسها مع معدل الولادة: النساء لا يرغبن في وضع الاولاد، والرجال لا يرغبون في العمل بالمناجم ولو تألبت عليهم مغريات العالم كله،
