
إن العمل في المناجم صعب وشاق وأجرته يسيرة. ولذلك فإن شبابنا يفضلون التوظيف في المكاتب أو البيع والشراء في المتاجر. فمن، يا ترى، يقوم بالعمل اليدوي الذي يحتاج إليه العالم؟ ولقد لاحظت في اقتطاعي الحطب أن العمل اليدوي جيد لكل إنسان، ولكن ... قليلاً.
وهكذا أحس بألم طفيف في ظهري وأنا أحبو إلى مائدة الغداء. لحم عجل محمر
مرة أخرى، وبطاطا مسلوقة أيضاً. وأنه لمن السخرية بمكان أن أتسلم، وأنا في منتصف الغداء، برقية من أميركا تنبؤني بأن النسخة الأخيرة من المليون لكتابي الأخير قد خرجت من المطبعة، فانظر إلى فسطاني فأجده من مخلفات ما قبل الحرب، وهو يغص بالثقوب التي أوجدها العث. إن لدي أثنتي عشرة قسيمة باقية من دفتر عائشة الثياب، تكفي فقط لفسطانين أو جاكيت واحدة. فأفكر بالثياب الجميلة التي يمكن لي أن أشتريها في الشارع الخامس بنيويورك، وأتذكر بأن سنتاً واحداً لا يمكن
له أن يصرف عبر المحيط الأطلسي، قبلما يؤتى به إلى إنكلترا التي ينقلب إلى «بوندات» ويفرض عليه من الضرائب ما يتركه بعض «شلينات». وهذا، لعمري، ما يتفق مع إثارة المرء إلى زيادة الجهد.
إن قطعة اللحم المحمرة قد انفصلت بفنجان من القهوة. بيد أن الشمس لا تزال مشرقة. ها أنا أتهالك إلى مقعدي الحبيب الذي يواجه البحر؟ ومن يتسنى له أن يتمنى أكثر من هذا؟ وأنا لا أرغب في النظر إلى أبعد من رأس اليابسة التي
تمتد إلى نحو عشرة أميال في البحر. هل يوسع السفر عقل المرء؟ هذا ما يجيرني؟ وهل هنالك أثقل من ذلك السندباد البري الذي يقول: «أتذكر عندما كنت في بغداد في سنة ١٩٢١» ماذا يا ترى كنت أفعل أنا في هذه السنة؟ لقد كنت في الرابعة عشر من عمري، وكنت مريضة من حي للممثل باسيل رازبون الذي أتى يوماً إلى «هامبستد» ليلعب التنس مع والدي.
هل تتغير كل سبع سنوات؟ أم هذا وهم؟ اعتقد أن ذلك حقيقة. أنني ألمح أطياف الماضي ترقص أمام ناظري في أشعة الشمس: الطفل الحجول، واليافع المضطرب، والشابة الساخرة الهازئة، والعروس الراغبة في الأرضاء، وأخيراً، الأم المتحيرة. والآن؟ آه، إن السنوات المتوسطة من حياة الإنسان لها جوّ خاص. لم يعد هنالك هذا التساؤل «ماذا يخفى لي المستقبل»، ولا أي تساؤل آخر عن أسرار الحياة. «انتظري حتى تصبحي في الأربعين» قال لي والدي مرة،
إن بناتي يلعبن في الحديقة الآن، وولدي الوحيد يقترب نحوي حاملاً بين يديه سعداناً صغيراً. «ما هو هذا؟» سألته مازحة: «إنه الله» أجابني بدون تردد! ..
ولعمري لماذا نجد الكنائس فارغة؟ لأن الحرب الحديثة عودتنا القنابل المحرقة فلم نعد نخشى نيران الجحيم! أكان الخوف من الجحيم، إذن، يحمل الناس على الذهاب إلى