
عندما تترك قنال جمرة بحيرة بكشهر يكون لون مياهها هو اللون العادي للمياه لكنها ما تكاد تصل سهل قونية حتى ينقلب لونها كلون الدم .
قد تظن ان المياه اكتسبت هذا اللون بتأثير مرورها في ارض هذا السهل الحمراء لكن هأنا اخبرك بان المياه اكتسبت لونها من دماء محمد الديدمكاوي ومن دماء اخيه .
وليس لون الافق الذي يحد سهل قونية ازرق ارجوانياً بل هو اصفر ، نعم اصفر .
قد تظن انه اكتسب هذا اللون من تأثير التراب الذي تثيره الرياح لكنني اخبرك بانه اكتسبه من شحوب لون زغر محمد الموجود بسجن قونية .
...
لا يجنى الحصاد في تلك البادية الا بعد عمل يدوي مرهق . فتلك الارض التي تعجز الجرافة ليست تنبت سوى عوسج وحشائش طولها بوصة ، ولا ترضى الا بتعريض سطحها الذي احترق من قلة المياه عارياً لسماء خلت من السحب .
اما الطريق المائي الذي حفرته يد الانسان فما يفيد الا في زيادة عطش هذه السهول الى المياه . فتلك المياه الطينية البطيئة التي تتهادى في طريقها عابسة
وكأنها غضبى لجريانها في ذلك المكان لا تقصر عن اطفاء عطش الارض التي تصرخ شقوقها تطلب الماء فقط بل هي
ايضاً لا تعوضها شيئاً بما تجلبه من بخار ورطب . فهي اشبه بنهر من زيت الزيتون ينطلق في بطء وغم في مجرى عكر .
وفي قرى ذلك السهل المحرشة ، تلك القرى التي تشابه اكواماً من الرماد ، يكدح رجال قد امتلأت ايديهم من العمل بالقروح ولفحت الشمس وجوههم ، يعملون ويكدون ليستخلصوا من تلك الارض الضئيلة قليلاً يتقوتون به .
وتقع قرية ديدمكوى على مقربة من القنال لكن المياه بعد ما غادرت بحيرة بكشهر ما تكاد تصل القرية حتى تكون قد تناقصت في المقدار الى ما لا يكفي لري حديقة خضروات في حجم المنديل ناهيك بفدادين عديدة من الحقول .
وهكذا تجد الاوجه المبتسمة والعيون التي تفيض بالبشر اثناء موسم الامطار تتجهد وتعبس في سني الجفاف . تجد هذه العيون تسلط ابصارها على مياه القنال الصفراء لا هي تتركها ولا هي تنتظر منها عوناً اذ تدرك عبث مثل هذا الرجاء . اما موسم المطر فلا يحل الا كل خمس سنين مرة
...
كان محمد الديدمكاوي وزغر محمد جارين ولم يكن بينهما فارق في
العمر . لقد لعبا في طفولتيهما سوياً فوق رمال الارض الفقراء وتمرغا معاً في تراب الشارع وعفاره . وقاما معاً وهما بجملان