

عصياً تفوقها طولاً بسوق ابقار عجفاء الى القطيع الذي اعتاد ان يمر باطراف القرية ، ومعاً ايضاً كانا يقومان بالقاء الطوب على الضفادع في القنال.
وعندما تقدم بها العمر بعض الشيء اعتادا الذهاب مع اميها الى السوق لبيع السمن واللبن الزبادي . وكانا يذهبان سوياً لجلب الاخشاب من الجبال في رحلة تقطع في سبع ساعات على ظهور الحمير بل كانا يبيعان هذا الخشب في حضرة كليهما واذا ما تمكنا من بيعه بما يزيد عن سعر السوق ببضعة قروش لموظف من منطقة اخرى غير خبير بالاسعار كانا يبتاعان من نفس القماش قطاعين يصنعان منها لنفسيهما قميصين متشابهين .
وكحدثين كانا يذهبان الى الافراح سوياً ويشاهدان النساء يرقصن . وكما هو الحال مع كل رجال الاناضول الاوسط كانت الصداقة بين هذين الرجلين صداقة صامتة خلت من العبارات لكن بدت ظواهرها منذ فجر شبابها في اعتيادهما السير جنباً الى جنب ويد الواحد منها في يد الآخر .
وبتقدم العمر بها جعلت الرزانة التي يتاز بها من يكدحون لاستخلاص اودهم اليومي من الارض ، علاقتها اكثر ابتعاداً عن المظاهر . وعندما كان من نصيبها تحمل مسؤوليات الاسرة قل لقاؤهما عن ذي قبل . كان زغر محمد قد تزوج اما محمد الديدمكاوي فان اباه قد مات فتركه يعول امه واخته الكبرى واخاً اصغر يبلغ من العمر ثمانية عشر ربيعاً .
كان يحدث احياناً ان يجتمع الصديقان القديمان عند اقتراب الليل الى جوار حائط المسجد حيث يجلسان
يشاهدان القطعان عائدة الى القرية وكانا يظلان الى ما يقرب من نصف ساعة ساكتين لا يتبادلان اية كلمة ثم ينظر الواحد منها الى الآخر ولا ينطلق على وجيهها سوى ابتسامة ثم يخلفان جلستها ويعودان الى منزليهما .
واخيرا كيا يضيفا الى الايدي العاملة في المنزل تزوج محمد الديدمكاوي واخوه مصطفى في يوم واحد فحضرت عروستان لم ترالا في العشرين من عمرهما للاقامة تحت سقف البيت الواحد المبني من اللبن .
وهكذا سارت الحياة في مجراها ، كما كانت تسير منذ قرون مضت على شكل كفاح هادئ من اجل استخلاص بلغة طعام من ارض شحيحة .
وفي غمار التفكير في الطعام واستئثاره بكل ما عداه اخذت الصداقة والنزهات تنطوي رويداً في طيات النسيان وتهوي تدريجياً وراء سجبه الى درجة انه بمرور الوقت تغدو محاة حتى من الذاكرة .
. . .
وفي ذات يوم ذهب زغر محمد ليروي
حقله من القنال فوجد المجرى خلواً من الماء ليس به الا طبقة من طمى اصفر . عند ذلك رفع رأسه وبدأ يتطلع الى القنال ثم نظر الى حقل محمد الديدمكاوي الذي علا حقله قليلاً فوجد انهم قد اقاموا على المياه سداً وانهم مشتغلون يروي ارضهم .
عند ذلك ارسل زغر ابنه البالغ من العمر ست سنين اليهم فانطلق الطفل يجري عاري القدمين فوق سماد البقر الجاف الى ان وصل الى حقل محمد الديدمكاوي فنادى عليهم قائلاً: « الوالد يقول يجب عليكم ان تطلقوا المياه ».
لم يجب محمد فانتظر الطفل لحظة ثم قفل راجعاً يجري الى حقله .
وبعد ذلك وقف المحمدان يرقبان بعضها عن بعد لا يزيد عن مائة وخمسين ياردة .
لقد افصحت تلك النظرة عن اشياء كثيرة لكن اول واهم ما نتج منها هو انه منذ ذلك اليوم قد نشب بينها خلاف لا سبيل لتسويته . لم تحو النظرة اي حقد اذ لم يحدث بينها ما يسببه . لم يكن في تلك النظرة سوى شبح