خلاف منشؤه الارض والماء ، شبح يسدل السواد على افكار الرجال . بل لعل النظرة حوت ايضاً شيئاً من الحزن ، حزن مبعثه ادراكها تحتم تبادل ضربات قاضية كما يمكن الاستمرار على الحياة ويتيسر الاحتفاظ بتلك القطعة الشحيحة من الارض الطباشيرية ، كما يمكن استخراج ملء يد من الحبوب من هذا الحقل المقسم .
اذ فيما عدا ذلك لم يكن بين الرجلين ما يسبب الحقد . لم يكن في وسع زغر محمد ان يقف في وجه الاخوين ولذلك كان السلم غرضه الاول ، لكنه كان يعلم ان ذلك محال وان المياه لن تكفي
بما يرضي حاجة الطرفين ولذلك ايضاً لن يرد محمد الديدمكاوي على رسالته .
ومع ذلك فقد انتظر زغر محمد . ظل يذهب الى حقه ويراقب مجرى الماء وما في قاعه من طمى اصفر جاف ثم يوجه بصره طويلاً الى محمد وهو يسير في حقه . ينتظر ويتطلع الى السماء . يبحث عن السحب ، واستمر على انتظاره .
اما السنابل ، السنابل الهزيلة فقد صارت تنكمش تدريجياً حتى غدت لا تزيد عن الشبر طولا .
بعد ذلك اقلعت الشمس عن كل وظائفها وركزت اشعتها على تلك البقعة الصغيرة في منطقة البادية تجفف ذلك النقع الاخضر الصغير . وتحت اشعة الشمس راحت تلك الوريقات الرقيقة ترتجف ارتجاف لسان كلب ارهقته الحرارة .
ولم تنم تلك السنابل الى ما يزيد عن الشبر طولا ، تلك السنابل الصغيرة البائسة . اما السنابل في حقل محمد الديدمكاوي فقد نمت ووصلت في طولها الى الركبة . هذا بينما الشمس مركزة اشعتها على حقل زغر محمد حيث بدا لون السنابل التي لا تزيد عن الشبر طولا يميل الى الصفرة .
كان في جمرة مكتب لمراقبة توزيع المياه، وكان للمكتب رئيس وكان له جباة لضرائب المياه وموظفون آخرون وبالرغم من ذلك لم تمر حتى ولا نقطة واحدة من مياه القنال وراء حقل محمد الديدمكاوي .
رأى زغر محمد ان زوجته ووالدته البالغة من العمر ستين عاماً اللتين تعملان في الحقل محنيتي الظهر طوال النهار وكذلك ابنه البالغ من العمر ست سنين رأى الكل قد علا الشحوب وجوههم كما هو الحال مع السنابل التي ضرب لونها الى الصفرة وهي لا تزال في طول الشبر ففكر زغر وانتظر . وليس
هناك من يعلم كنه ما يدور في خلد فلاح في البادية ولا ما ينتظر من اجله .
...
وفي باكورة صباح ذات يوم حمل زغر بندقيته وانطلق الى الحقل وانبطح في المجرى الجاف الى ان رأى محمد الديدمكاوي واخاه فاطلق خمسة اعيرة .
وليس هناك شيء اسهل من الموت والقتل في تلك الحقول الجدباء .
طلب زغر محمد من زوجته التي اقبلت مسرعة ان تفتح مجرى القنال وان تروي الحقل واخبرها انهم منذ ذلك اليوم لن يتركوا احداً يحجز مياه القنال لانه لم يبق من رجال الحقل الاعلى احد .
وبينما زوجته في طريقها الى السد المقام على القنال لتزيله صاح عليها من ورائها يوصيها بان مواهب الطفل يجب الا تضيع وطلب منها ان تحضره في فترات ليزوره في السجن والا تسيء معاملة والدته العجوز .
وعند ذلك جلس زغر على طرف الحقل واطال النظر الى زوجته وهي تفتح طريق المياه منتظراً حضور الشرطي وشيخ
التتمة في الصفحة ٤٣

