الغني .
ان منظر الجبال الجليل ، هذا المنظر المتعدد في وحدته ، والمتماسك في قعوده ، لا بد ان يوقظ قوى الابداع الكامنة في اعماق الانسان .
لم اهتب أبدا بمقدار ما تهيبت عندما وجدت نفسي وجها لوجه أمام منظر الجبال البديع في ناحية من نواحي هذا البلد المحبوب . يبدو لك هذا المشهد ، لاول وهلة ، كأنه رسم لم تكتمل بعد خطوطه الثانوية ، بل هو رسم جاء من ريشة فنان مبدع كان في حالة ذهول ففامسك بالريشة يرسم ما تصوره نفسه من اشباح الجبال غير المكتمل ، وما تحسه في هذا الجبال من سمو وتصوف والوهبة . غير انك ما تكاد تعمل النظر في هذا المشهد نفسه ، حتى تلاحظ ان الفنان لم يكن في غيبوبة بل كان في وعيه الكامل ، وهو يرسم ليعبر عن هذا الصراع الصامت في اعماق نفسه بين القوى الزاحفة على الحضيض ، تشد به الى الاخذ بسبيل العالم المادي ، وبين القوى المتلهبة الصاعدة الى العلو ، نحو دنيا التصوف والاتحاد بالمبدع الأكبر الذي هو الله .
ان هذه القمم الصخريّة الشامخة هنا وهناك ، المتصاعدة أبدا نحو العلاء كأسنان الرماح ، تمثل ، بالتمام ، هذه التصعّدات المتلهبة بنار الايمان ، التي يبدعها المتصوف المؤمن ، الراغب في ملاقاة ربه مؤمنا خيرا طاهر اليد والقلب والضمير .
وهذه الوديان السحيقة ، المفترقة في العمق ، تمثل هذا التفاوت بين رغبات الانسان الوضيعة ، ورغباته السامية الكاملة . ان هذا الوادي هو ، ابدا ، وادي الدموع الذي اشار اليه جبران والانبياء ، هو الوادي الذي يجف في الصيف ، عندما يلهب صدره الحنين الى الخير الكامل ، وهو الذي يفيض في الشتاء عندما تطغى فيه الميول الكاسحة على الميول السامية ، يفيض لكي يذهب ابدا الى البحر ويغيب دون ان يفيد أو يستفيد ، بل هو يضر في فيضانه ، وكم من مرة اقتلع الصفصافة الآمنة والجوزة الهادئة لكي يغيب جذعها في الفيضان الأكبر الذي هو البحر .
ان الفرق بين الينبوع الطاهر الذي ينفجر من صدر الجبل ، والذي يمر من حوله الارض والناس ، يفيض من الخير والكرم ، فتحمل اليه العذراء جرتها ، وتملأها من ماء الحياة الصافي ، ويأوي اليه الراعي ومن حوله الخراف عطشى الى الجرعة المحببة ، وينكب عليه الفلاح ، بعد الجهد ، ماذا اليه يديه الطاهرتين ، وقد اضناهما المحول المبروك ، والمقص الخير ، في الكرم الغني ...
ان الفرق بين هذا الينبوع الصامت ، وبين فيضان الوادي الصاخب لكبير جدا ، هو الفرق بين الخير الضئيل والشر الكبير ، فان الشر لم يشفع به كبره ، في حين ان الخير لم يضر به صغره ، فالكبير والصغير ، نسبيان ، ومن هنا يصح ان تذكر هذا القول المأثور : «كم من وضيع ارتفع وكم من كبير اتضع» ...
الثروة المجهولة اذن ، هي هذه التي نكتشفها في مناظر جبالنا ووديانا ، وفي ما توحيه ، من خير كامل ، ومحبة سامية . ولن يكون الواحد منا غنيا بالمعنى العميق لهذه الكلمة ، الا اذا فاضت نفسه بالخير والمحبة .
انني ادعو اولئك المنغمسين في دنياهم ، الغارقين في الفيضان الجارف ، ان يهجروا الضجيج ، ويركنوا الى الزوايا الفنية في هذا البلد ، ليعيشوا في توافق صامت مع الطبيعة الخالدة ، عندئذ تنفتح عيونهم على الثروة الحقيقية ، وعندئذ يعلمون اي غنى هو هذا الغنى الخالد ، وابة ثروة هي هذه التي تقربنا من الله ، وفي ضميرنا يهمس صوت التوبة ، وتتجاوب ، في قلبنا ، اصداء الايمان الحقيقي . انني ادعو الامهات ان يحملن اطفالهن ، في نزهات يومية الى الوادي والجبل والمنحدر ، حتى تنطبع في ذهن الطفل الناشيء هذه الصور الخالدة ، ويتم عندئذ بينه وبين الطبيعة تفاعل سري ، يستيقظ فيما بعد ، في صورة المحبة والخير والتساهل .
ان الثروة المادية ، وحدها ، لا يمكنها ان توفر للانسان الراحة والطمأنينة . انه لا يرتاح الا عندما يتألف في اعماقه حب الخير والتساهل فيصير الانسان يعمل لاخيه كما يعمل لنفسه ، ويصير يخشى الشر ، فيتهرب منه . وهذا ، لعمري ، هو الغنى ، الذي يفتقر اليه الانسان .
هذه الثروة ليست في بطون الارض ، وليست في قباب السماء ، بل هي في متناول اليد ، تقع عليها العين في كل يوم ، الف مرة ، ولا يراها الناس ، لان في عيونهم غشاء يخفي عنهم مواطن الخير ، ومواطن الغنى في هذا البلد المحبوب .
يقصد الناس ، من الثروة ، ما تقع عليه القبضة ، من هذه النقف البائدة ، من المال ، تتداولها الايدي ، دون ان تغني الفكر او القلب او الضمير . من اجل ذلك هي ثروة ميتة ، لا تحمل ، في جوهرها ، سوى الكسل المميت ، والتقاعد المريض ، لانها ، بمقدار ما تكثر بين ايدي اصحابها ، بمقدار ما تضعف همة هؤلاء ، ويتقاعدون عن العمل المثمر ، والجهاد الطويل المفيد ، التي تقتضيه ، طبيعة الحياة الطامحة دائما الى الاضطراد والنمو المتكامل .
ان هذه الثروة ، تشد بالانسان ، الى مهاوي العبودية والذل . وأية عبودية أشد ظلاما من هذه التي تفقر فكر الانسان من الابداع والخلق ، وتفقر نشاط الانسان من الحيوية والنمو ، وتفقر نفسه من السمو والكمال ، كل ذلك من اجل قبضة من المال ، لا تفيد سوى الامعاء ، ولا تقع من مسلك الكمال موقعا يرفق بها ويعطيها قيمة جوهرية أو فكريّة ضئيلة .
عندما اعطى الانسان للثروة المادية قيمتها الحاضرة ، كان في حالة «جوع» مادي . وكانت مقدراته النفسية والمثليّة التي تدفع به الى طلب الكمال المطلق والجمال المطلق في الخير المطلق والغنى الروحي المطلق ، اقول كانت هذه المقدرات ، في حالة تشنج ورقاد . وهي ان استيقظت على هذا التخبط المادي ، الذي وقع فيه الانسان اليوم ، فلا تلبث ان تخلق ثورة عنيفة في جهاز الانسان كله ، ولا تلبث ان تثير نظرة الانسان الى الحياة والعالم من حوله ، ومن ثم الى نفسه .
ان الثروة التي اعنيها ، هي هذه الثروة التي تكمن في قيم الاشياء من حولنا . لاسيما هذه الثروة التي تكمن في قوى الطبيعة الماثلة لاعيننا في كل خطوة من مسالك هذا الجبل

