كانت مصابيح «الاستديو» الوهاجة تسلط ضوءها القوي على المنظر المعد للتصوير ، بينما خيم الظلام على بقية ارجاء المكان ، وفي ركن بعيد جلس ثلاث نسوة ينسجن « جوارب » ، مكبات عليها ، لا يرفعن رؤوسهن الى شيء ، ولا يعبأ بهن احد ... وقد علمت ان اثنتين منهن حائكتان تنتظران اية اشارة لاصلاح ما قد يحتاج الى اصلاح من الثياب او نحوها . اما الثالثة فكانت مسز « تمبل » والدة النجمة العالمية « شيرلي تمبل » . وكان اعتزالها على هذا النحو غريباً لدي ، فوقفت أرقب النسوة الثلاث من حيث لا يريني ، وقد ذهب بي التفكير الى ان الام النعمة انزوت في هذا المكان لشعورها بالرغبة في الاستغناء عن غيرها ، وخاصة ابنتها ! ..
ورفعت عينيها فرأتني ...
ان الام في هوليوود هي اشد الامهات حرصاً على كرامتها ، وآخرهن افضاء بتباعدها للآخرين ، وعلى الاخص « جرترود تمبل » هذه ، ولكنها في تلك الساعة باحت لي بما لم يتوقع احد ان يسمعه من تلك المرأة ذات الشفاه الرقيقة التي تنم عن صلابة عزم وقوة ارادة .
سألتها متجاهلاً : « وأين شيرلي اذن ؟ »
قالت : « أوه .. انها في غرفتها ، ولعلها تقطع فترة الراحة في القراءة »
ولكني مع هذا انتظر ان تلجأ الي ، فألبي نداءها .
ولمعت على شفتيها ابتسامة باهتة ثم اردفت : « لقد ذهب الوقت الذي كانت تشعر فيه بالحاجة الي ... فهي الآن راغبة في ان تحيا كما يحلو لها ، معتقدة انها ليست في حاجة الي يوماً ، فأنا اجلس هنا في انتظار الساعة التي تقول فيها : هلمي الي يا أمي » .
تحدثنا طويلاً عن الماضي ، وكان الحديث همساً على عادة الناس في هوليوود ، وذكرتها بيوم كنت اجلس اليها فيه مع شيرلي الصغيرة بين كواليس استوديو شركة « فوكس القرن العشرين » ، حين طلبت هي من فتاتها ان تخاطبني بالفرنسية ففعلت ، غير
انه شق عليها بعد حين اختيار الالفاظ المناسبة ، فالتفتت الى امها ضارعة ، وقالت : « أليس في هذا الكفاية يا اماه ؟ » .
قالت الام وقد تاوهت للذكرى : « لقد كان ذلك منذ عهد طويل ... ان شيرلي الآن فتاة ناضجة ، وانا افهم رغبتها في الحرية
وتركت مسز شيرلي تتم نسج الصوف الذي في يديها ، وتنتظر تلك الساعة السعيدة ، التي تذكرها فيها « طفلتها » فتعود اليها !
ما أمر بهذا الجحود الذي تلقاه الامهات في هوليوود ، وهن اللواتي كن سبباً في نجاح اولادهن ووصولهم الى ذلك المجد ، بما بذلن لهم من رعاية وتوجيه في عهد طفولتهم ! ان استوديوهات هوليوود لتعترف بنفوذ الامهات وتدفع لهن اجوراً سخية

ليلازمن اطفالهن في اثناء التمثيل لتنفيذ ارشادات المخرجين ...
فهذه شركة مترو جولدوين ماير تدفع ٥٠٠ جنيه اسبوعياً لمسز جلاديز اوبراين والدة النجمة الجديدة مرغريت اوبراين ، التي هي الان في العاشرة من عمرها ، لتلازمها في اثناء التمثيل ، كما تتقاضى مسز دوريس دولي والدة

