من المشاهد المألوفة في جامعات اميركا هذا العام ان ترى تلميذاً ابن الثلاث والعشرين ، متأبطاً كتبه ، ترافقه زوجه ابنة الاثنتين والعشرين ، تجر طفلها في عربة .
انه ولا شك منظر فيه غرابة وشذوذ ، لان الحياة الزوجية بمشاكلها وتعقيدها ، بمسؤوليتها وتنافر وضعياتها لا تآلف وحياة التلمذة الحرة الطليقة . ويزيد استغرابنا للوضع متى علمنا عدد هؤلاء التلاميذ المتزوجين ونسبة توزيعهم على الجامعات .
ان عدد الجامعات الرسمية ، في الولايات المتحدة اليوم يبلغ ١٣٢ جامعة تضم ٤٠٠,٠٠٠ تلميذ . ونسبة المتزوجين من هذا العدد نصفه تماماً اي ٢٠٠,٠٠٠ مائتا الف تلميذ وهذا ما يلفت النظر حقاً من حيث شذوذه وغرابته . ولا بد ان نتساءل :
من هم هؤلاء التلاميذ
ان هؤلاء الشباب هم الجنود الذين عادوا من الحرب مكللين بالنصر . وهم لا يزالون يداوون جراحاً في اجسامهم كانت خطيرة . حملتهم الشهور الطويلة في المستشفيات في انتظار البرء ، على التفكير في مستقبلهم وماذا يخبىء لهم الغد . والفوا انفسهم ومعظمهم لا يزال في فجر العقد الثالث ، ولهم زوجات واطفال لا يطيب لهم العيش بدونهم . فقد تزوجوا من فتيات يحبونهن قبيل التحاقهم بالجيش وها الحرب قد القت اوزارها وعاد هؤلاء الجنود الى
اميركا وعندما خبرتهم الحكومة فيما قررته لانفسهم ، طلبوا العودة الى الجامعات ، لاشباع رغبة ملحة في نفوسهم وللحصول على درجة في الطب او المحاماة او الهندسة .
فالحكومة الاميركية تساعد هؤلاء الشباب بتسديد كل الاقساط وثمن اللوازم المدرسية عنهم وتخصص لكل تلميذ ٩٠ دولاراً كل شهر . وتعطي تعويضاً عن كل عطل او انحراف في الصحة ناتج عن الخدمة العسكرية . ويكون هذا التعويض بنسبة العطل او الانحراف الصحي ، وكلما قارب التلميذ الشفاء التام ، قلت قيمة التعويض الى ان تنقطع . فلا يبقى من ايراد دائم سوى التسعين دولاراً وهذه يجب ان تكفي لايجار سكن وللاكل والكسوة ولجميع النفقات النثرية . وهنا نجد الزوجة الفتية تتدبر بحكمة ولا تبذر فوق مدخولهما الوحيد وتتعاون مع زوجها الفتى على تكييف الميزانية ودرسها بحيث لا تقع تحت عجز مادي .
وهل يكفي هذا الايراد ؟
يصرح هؤلاء الازواج بان حياتهم كانت سعيدة ميسورة الى ان وُلد الطفل فاضطر والداه لحرمان نفسيهما بعض الامور الضرورية ليتمماه بقليل من الاشياء الكثيرة التي تفرضها عليها الحياة العصرية الصحية : من حليب وغذاء ضروري وكسوة ومعاينات طبية وادوية الخ ... ورغم هذا الجهاد المستمر من جانب الوالدين الباسلين لحفظ الموازنة
المادية نرى المئتي الف طفل ، معظمهم من ذوي الاجسام النحيلة والامزجة السريعة التأثر . ذلك لان مستوى غذائهم والعناية بهم دون ما يتطلبه هذا العصر من وسائل التربية للاطفال . خاصة وان هؤلاء الاطفال ليسوا سيئي الحظ لهذه الدرجة فهم اولاد اطباء ومهندسي واساتذة الغد ولا يجوز ان يُحرموا التمتع بحياة معتدلة .
ولا يحاول هؤلاء الشبان تحميل آبائهم وامهاتهم مسؤولية عائلاتهم . فهم قد بلغوا سن الرشد وحرروا انفسهم مادياً ، مفضلين حياة الاستقلال ، رغم ما يتخللها من عثرات وفترات صعبة لا بد منها . فهم يجابهون الحياة بشجاعة وثقة بانفسهم ، تحقيقاً لطموحهم وارضاءً لرغباتهم .
قد يعترض البعض بانه لمنتهى الاتكالية ان يتعلم هؤلاء الشبان المتزوجون دون ان يكون لهم ايراد غير ايراد الحكومة ، لكن الرأي العام في اميركا يشعر ان هذا الايراد هو حق محتم لهؤلاء الشبان الذين خاطروا بارواحهم وأصيبوا بجراح خطيرة في سبيل خدمة العلم ورد العدو . وفي حالة انتصارهم وشفائهم من الجراح ايكون ايرادهم الحكومي هذا حقاً شرعياً لهم . ذلك ما لا يختلف فيه اثنان .
إن السبب لاثارة هذا البحث في اميركا اليوم هو شعور الرأي العام الاميركي ان هذه المائتي الف عائلة الشاذة الوضع تعاني الامرين من جراء حفظ الموازنة المادية والتغلب على المصاعب مع مجاراة مظاهر الحياة الصحية والاجتماعية الى حد ما . والسبب الذي يجعل غض النظر عن هذا الوضع مستحيلاً هو الطفل - الطفل الذي يتطلب في تربيته ضروريات لا يجوز التوفير فيها .

