ان «قلب لبنان» قطعة من قلب شاعر، ولوحة من ريشة رسام، وهو صياغة أديب يعرف كيف يلج موضوعه ويختار له القالب الذي يؤثر في النفس.
فانك، وانت تطالع فيه، لا يجد السأم سبيلاً الى نفسك، بل تستشعر انك في نزهة حقيقية تنقلك من ضاحية الى ضاحية. فالريحاني لا يترك شيئاً يقع تحت النظر، او يتأثر له الشعور دون ان ينقله لك بأمانة واخلاص. فهو غزير الخيال، قوي الاحساس، رقيق الشعور. وهذه، لعمري، هي صفات الاديب والشاعر والفنان. وهو الى ذلك سريع الملاحظة، ان ذهنه يشبه «الكاميرا» التي لا تترك شيئاً الا وتأخذ له صورة متحركة. من اجل ذلك تشعر وانت في رفقة الامين، كأنك تراقب مشهداً من مشاهد الافلام المتحركة..
يضاف الى هذا كله دقة في الاستنتاج، وصواب في المقارنة. وهنا يعود الدور الى الأمين المصلح المفكر.
بالحقيقة، انك تكاد لا تجد تحديداً ثابتاً للشخصية التي عملت في «قلب لبنان». هل هي شخصية المصلح المفكر، ام هي شخصية الشاعر الفنان. الواقع انما شخصية الريحاني بمجموعها، تطوعت للعمل في «قلب لبنان». ان الريحاني، ها هنا، يثب كله، الى قلب لبنان، وبين يديه قلب يفيض في حب لبنان. وقد حمل معه كذلك شعوره السامي لينشد لبنان قصيدة خالدة، وحمل ريشته ليرسم عن لبنان صورة واضحة محبوبة، وحمل كذلك عصا المعلم وحكمة المرشد، فأرشد وعلم بخير ما يكون العلم وخير ما يكون الارشاد.
وليس قلب لبنان، بعد، هو الكتاب الذي يستحق اهتمام اللبنانيين وحدهم، بل هو الكتاب الذي سوف يتسارع إليه كل محب للمعرفة، لانه صورة خالدة، لبلد خالد.
ولئن اغمض الريحاني عينيه، ولم يجف بعد، حبر هذا الكتاب... ولئن رحل، وبين جفنيه تتراقص صور قلب لبنان، وقلب العراق وملوك العرب، فلأنه الرجل الذي عرف كيف ينتزع حب كل لبناني وكل عربي، ولسوف يبقى، هذا الحب، ثابتاً قوياً، في قلب كل لبناني، وفي قلب كل عربي.

