وهو يذكر الليلة التالية ايضاً وقد استيقظ وجلاً يشعر الشعور الغريب عينه ، فوجده في الظلمة كالليلة السابقة فقال له زاجراً :
« اذهب الى فراشك يافنسنت »
وفي الصباح وجد كوغان بعض الألوان في حسائه ، فانتهر فنسنت ووبخه .
وفي المساء بينما كان يقطع الساحة امام الدار في طريقه الى المقهى سمع وراءه وقع اقدام ثقيلة عرف فيها خطوات صديقه فنسنت ، واخذت الاقدام تقترب منه وتدنو دنواً مريباً ، فعاوده شعوره الغريب ، فالتفت وراءه ، فاذا به يبصر بالمجنون الاحمر الرأس وبيده موسى جاهزه ، فوقف مكانه يرسل فيه نظرات حارة زاجرة جمد على اثرها فنسنت ثم طأطأ رأسه وانعكف مهرولاً .
وتابع كوغان سيره الى احد الفنادق حيث استفرد غرفة اوصد بابها ثم استلقى لينام .
في صباح اليوم الثاني خرج ليرى صديقه فهاله ان يرى زمرة من الناس تجمهرت ببابه فاذا واحد منهم يقول له :
« ماذا فعلت بصديقك ايها السيد ؟ »
« لست ادري »
« اجل ، انك لتدري ... إنه ميت . »
وصعد كوغان ، وقد مادت به الدنيا ، الى الغرفة التي قضى فيها مع زميله اياماً عديدة ليجده ملقى في فراشه دون حركة وقد تراكم حوله الناس والشرطة قد يده ، كأنه معلق في فراغ ، ولمس جسد الصديق فوجده حاراً فتنفس الصعداء . وأحس بقدميه تلمسان الفراغ صخراً صلداً متيناً ... ثم التفت الى رئيس الشرطة يقول :
« حاول ان توقظه بحذر ياسيدي ، واذا سأل عني قل انني عدت الى باريس ، فقد تفقده رؤيتي حياته ! »
وعاد الى باريس ، حياً . ومنها في اول رحلة الى جزر تاهيتي عام ١٨٩١ ... ثم رجع الى مرسيليا بثيابه الطويلة الغريبة الهندام المزركشة ... فباريس ... فزورة قصيرة الى زوجه واولاده .. ثم ... .
« الى اين عزمت يابول كوغان ! »
١٨٩٥
تلفت بول الجائع المنهوك حوله فلم يجد في فرنسا كلها قطعــة من خبز سائغ او مكاناً ظليلاً مريحاً ... فصمم على الرحيل ، فأقلته السفينة الى جزر تاهيتي مرة اخرى ، تلك الجزر
التي احبها منذ المرة الاولى ، وانطلق في حقولها يصور ويمرح ويحيا في اكواخها وعلى شطآنها حياة اهلها فأحبه اهل تلك البطاح « حيث المرأة عارية كما كانت حواء ، او شبيهة بها دون حياء او خجل . »
ها هو في البراري امام لوحته فلنقترب منه ونسمعه يردد الى نفسه منتقداً المدرسة الانطباعيــة التي شغفت باستعمال الألوان النقية الزاهية المتقطعة والمنقسمة :
« ان مساحة متر من اللون الأخضر يبدو اكثر اخضراراً من مساحة سنتمتر واحد اذا كنت ترغب في التعبير عن اللون الأخضر ... كيف تبدو لك تلك الشجرة ؟ أهي خضراء ؟ إذاً استعمل اللون الأخضر ، أكثر الالوان التي وضعتها على ملونتك(١) اخضراراً ، وذاك الظل ؟ اتبدو لك في طياته مسحة زرقاء ؟ لا عليك ، صوره بأكثر الالوان التي تستطيعها ازرقاقاً . »
ومن اجل ذلك كانت تصاويره لوحات زينة ، ومن اجل شعوره الساذج البسيط ومواضيعه البدائية أسموه بالفنان البدائي .
وزاده المرض عذاباً إذ اصابه البرص ، فانعزل عن العالم إلا زوجة نصف عارية اتخذها شريكة لــه من بين فتيات تلك الجزر المتألقة الالوان ، الزاهية ، الراقصة ، والتي وقف الى جانب اهلها ضد المستعمرين الأوروبيين والأرساليين التبشيريين . وابتنى لنفسه منزلاً صغيراً كمنازل الســكان الاولى ، يأكل من طعامهم وفاكهتهم الى ان دقت بابه يد المنون ففتح لها الباب مبتسماً ، وهو في الثامنة والاربعين لتحمله العرائس الى حيث سبقته مواكب سورا وفان كوه .
ولكن جسده الفاني وقع فريسة في ايدي الاوروبيين ، فاحتفوا به واحتفلوا ، وحملوه على اعناقهم الى زاوية مهجورة منفردة بين قبور لا اعتقد انه يرتاح لجوارها ، قبور الارساليين التبشيريين !
(١) ونعني Palette على وزن منضدة ومنفضة (مفعلة)

