يطلّ علينا العام الجديد، والعالم العربي، من اقصاه الى اقصاه، يجتاز أعظم محنة مرّ بها في تاريخه الطويل. فهو، لذلك، يستقبل مطلع هذا العام، والغصة في قلبه، والنقمة في صدره، والريبة في فكره وعقله.
ومن حق العالم العربي أن يستقبل هذا العام الجديد كما يستقبله الآن: غصة، ونقمة، وريبة. أما شهد انتصار الباطل على الحق في اعظم مؤسسة أممية، لا مبرر لوجودها على الاطلاق إلا دفاعها عن الحق ضد الباطل؟ أما شهد انتحار الوجدان والضمير والقيم العليا في مجموعة من الأمم كانت تدّعي - وقد صدقها او كاد - أنها انما تموت او تحيا في سبيل الوجدان والضمير والقيم العليا جميعاً؟
وكم كان العالم العربي يفضّل ان يخسر فلسطين، ولا يخسر ايمانه بعالم او بامكان وجود عالم ينتصر فيه الحق على الباطل، ويتنزه الوجدان عن الدجل، ويسلم الضمير من الفساد، وتصان القيم العليا من خطر الشك بوجودها.
أجل، وكم كان العالم العربي يفضّل ان يخسر فلسطين، بل اكثر من فلسطين، ولا يخسر ايمانه بالحق لا بالقوة، بالعدل لا بالبطش، بالعقل لا بالعاطفة والمصلحة، بالحرية لا بالفرض والطغيان.
ان الغرب قد خان قضيته. ونحن الذين نعدّه مسؤولاً عن الحضارة الانسانية القائمة اليوم وقيّماً عليها، نعلنه أمام التاريخ مجرماً في حق ما هو مسؤول عنه وقيم عليه منذ اجيال. ونحن الذين نميز بين الغرب السياسي المزيف الذي تآمر ويتآمر كل يوم وكل ساعة ليس على فلسطين فحسب، بل على كل حق في العالم، وبين الغرب الحضاري الاصيل الذي يعمل جاداً مخلصاً كل يوم وكل ساعة في سبيل انماء حضارة الانسان وتعزيز مبادئها السامية وقيمها الصادقة الخالدة، اقول: نحن الذين نميز بين هذين الغربين المتناقضين المتصارعين، لن نقع في خطأ الخلط بينهما فنرفضها دون هذا التمييز. ولنا ملء الثقة بأن الغرب الحضاري الاصيل الذي به وحده نؤمن، وله وحده نقدم احترامنا، ومنه وحده نستمد أسس نهضتنا، لا يرضى لحظة واحدة عمّا يقوم به الغرب السياسي المزيف من خيانة لقضيته وإجرام في حق مسؤوليته. واذن، فمن واجبه ان يثور عليه ويتمرد - وهو بالفعل يثور ويتمرد - كما انه من واجبنا نحن ان نتصل به ونتعاون معه تعاوناً جميعاً في هذه الثورة وهذا التمرد. ولن يمضي طويل وقت، حتى ينتصر الغرب الحضاري الاصيل - ونحن معه لاننا منه - فيعود الى جماهير البشر ايمانهم بالخير والحق والعدل.
أما فلسطين، فلها في ذمة كل مواطنة ومواطن في هذه الامم العربية، عهد وطيد: هو انها لن يرضيا ولن ينسيا.

