كيف وصلت هذه الوريقات الى هناك؟ اتراها سقطت من حقيبتها عندما اخرجت منديلها لتجفف دموعها بينما كانت تدخل كنيسة القرية لتسكب روحها مع تضرعاتها ليلة الميلاد؟؟ اتراها تفقدتها بحنان فاطارت الرياح بعضها وحالت الدموع دون رؤيتها؟؟ لعلها ولعلها.. ولكن هناك بعض ما جاء فيها:
ليلة الميلاد... اتذهبين اليوم الى السنديانة الكبيرة؟ اتقفين هناك لتتذكري الايام الطوال التي نعمنا بها ام انك تحقدين؟؟... لقد اسأت اليك.. لقد دست بقسوة القلب الهبة المقدسة التي تهبها المرأة للرجل الذي تحب.. ولقد شعرت بقسوتي وبحبك يسمو على اهمالي ولكنني لم استغفرك عندئذ لئلا تقضي بالغفران... اما اليوم يوم ميلاد رب السلام، اليوم وانت في عالمك المملوء بالذكريات بينما تدوي في اذني اصوات المدافع وانكمش في زوايا الخنادق الرطبة.. فاظنك ستغفرين.
وبعد افتذكرين ذلك العيد يوم ان جلسنا نشهد رواية سينمائية عن الحرب الماضية تجمعت فيها النسوة زرافات وقد تجلبين بالسواد امام قبر الجندي المجهول.. تحني كل واحدة امامه لتذرف دمعة على بطلها الذي لا تعرف اين يثوي... لقد مسحت بومنديلك دمعة طفرت من عينيك الساهيتين وتمتمت «الحمد لله ان المأساة لن تتكرر مرة اخرى» ولكنها تكررت لان مطامع العالم ابت الا تكرارها..
ليلة الميلاد يا ماري ها هي مدافعنا صمتت ومدافعهم كذلك... ها نحن وهم نخرج من خنادقنا وقد اصبحنا اصدقاء لدقائق نمد ايدينا لنصافحهم فيمدونها نتبادل السجائر والحلوى وما نملك.. نفعل هذا تمشياً مع القاعدة التي رسمها صاحب العيد حين قال:
حب قريبك كنفسك: من كان عنده فليعط.. نفعل هذه الدقائق فقط كأن رسالة رب السلام كانت لدقائق.. او كأن الايدي التي تقودنا وتوجهنا نفهم ان هذه الرسالة رسالة الحب والبذل هي رسالة سامية يجب اتباعها... ولكن لدقائق فتصوري..
ليلة الميلاد يا ماري ولكن اين نحن من رسالة الميلاد؟ لكأنني ارى الغيوم السوداء في مياه القرية وقد حزنت وتألمت تأبى ان تتحول الى ثلوج لتزين القرية.
وارى الانوار الضئيلة في المخازن والمنازل المتواضعة وقد كسيت حداداً خنقها يد الانسان التي تحولت الى يد مدمرة خانقة.
كأنني ارى الجارة «ايبي» تجلس وقد سكن الليل لتفكر بالزوج البعيد الذي لم ير طفله بعد ولتتساءل هل سيراه؟!
وارى الجدة «بتسي» وقد تخلصت من اسئلة الصغار قد جلست لتذرف دمعة على الام الراقدة هناك ودمعة على الاب الذي لا تدري اين هو.
وارى الام المريضة «باتريش» تصلي في كوخها الصغير: «اللهم اني امرأة مدنفة وسأموت دون ان ارى ولدي فاعده الي لاراه ثم يغمض عيني»
وارى اولاد «القس» الشيخ يجتمعون حول شجرة الميلاد لا لينشدوا وعلى الارض السلام ولكن ليصلوا بخشوع «اللهم هب الارض السلام»
ليلة الميلاد يا حبيبتي فماذا تفعلين فيها؟؟ كأنني اراك تحملين الهدايا الصغيرة لتجبري بها القلوب المتألمة.. وكأنني اراك توأمين وتضمدين الجراح انت التي بحاجة الى المواساة والى من يضمد جراحها..
ايه ايتها النسوة الباسلات تحمل الواحدة
اثقال الجبال على كتفيها ومع ذلك فهي تنتصب بشجاعة لتؤدي واجبها كاملاً..
كأن الكاتب الكبير نورمان انجيل قد رآكن بعيني خياله وقد انتهت الحرب وقرعت اجراس النصر فوقفتن كل واحدة امام نافذتها، ترفع طفلها ليرى الجنود العائدين بعد نصر اشتراه والده بحياته... فسالت الدموع التي حبسها الامل واسالها اليأس واضاءت القوى المتجلدة وتفتحت جراحات القلوب الدامية.. رآكن فصاح صيحته الخالدة «ليس في الحرب كفة رابحة انما الكل خاسرون»
ليلة الميلاد يا حبيبتي ولكن هل فهم الناس رسالة رب الميلاد؟؟
عكا - فلسطين


