تلألأت أرجاء المشرق تحت نور الفجر فتهلل الكون لمولد نبي السلام. وحدت الرعاة، وتهامست الظلال، وشدت الرمال في تسبيح وتمجيد: صبح الأصباح، فجر الإنسانية هذا الفجر، يا له من فجر ...
وعند المغيب، والأفق ضافي الجلال، تتالى النداء جهيراً مقدساً:
هناك، هناك: على هضاب الجليل، سيبعث الناصري ...
.. قال الحجاج الآتون من رومة والاسكندرية وقد قرأوا في قصائد شاعري أغسطس فرجيل وهوراس: إن العصر الذهبي الذي يسود السلام فيه العالم قد اقترب، «وسيعاد بناء المدن الخربة، وتصبح البراري عامرة، والأراضي الجديدة خصيبة، فمتى يبعث مصلح - رسول السلام - متى ...؟
الناصري!؟ ها هوذا قد ظهر! انه مضطجع على العشب الأخضر فوق الجبل، يسمع صوت الله في خرير السواقي ونور الكواكب، في سجو الليل وعند السحر، اكم يجب أن يلبث وحيداً فوق الطور يتأمل، يتنور وحي السماء، في خشوع واستغراق ..
هوذا يهيم بين الجبال، وقطعان الضأن قريبة منه، والريح تهب فتميل أشجار الزيتون خاشعة ساجدة. وتمتد الظلال، وتتراكم السحب على جبل حرمون، ويتعالى من جانبه نداء ويسفر نور ... ألا ابشري ايتها الأرض المقدسة، لقد بعث الناصري ...
هوذا يتنقل بين القمم، وتلك جبال السامرة عن يمناه، وتابور عن يسراه، والبحيرة المقدسة خلفه فائضة بالأسرار، مصغية لصوت عذب بعيد، يبشر بالحب والرحمة والاخاء!
هنا الناس يتكلمون ويكثرون، حول الأمم، حول الغنى، حول الجاه ... والفتى الناصري عنهم معرضاً. ان قلبه ليناجي الله وحده! علام يكثر هؤلاء من ذكر الدينونة؟ أولا يرون الله ما يراه موجوداً متجلياً في كل شيء: في الجبال والأنهار والبحار، في الشمس والقمر، في الانسان والحيوان، في الطفولة وزنابق الجبل وأزهار الروض، في هذه الأنعام ترعى مطمئنة؟ لكأنها تتجه اليه بالدعاء وان لم تنطق في سمو الفضيلة والرحمة وجلائل الأعمال ...؟ آيات الله، تنطق بكل معجزة، تملأ السرائر يقيناً، تنير البصائر،؟ أجل، «ليس بالخبز وحده يحيا الانسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله ...»
فلم اذن يتملك هؤلاء شعور الغرور والكبرياء.؟ «ايعني حب الله لنا كرهه للآخرين، أنحن مبرأون من العيوب حتى نضع أنفسنا فوق الآخرين ...؟»
وفي الهيكل، بدا الناصري ممتعضاً: ان مواعظه لتفيض فيض الرحمة في القلوب، ولكن هؤلاء الكهنة اليهود بمواعظهم الجافة، وهذا الحشد ذو الجدل المقيم، لتضيق بهم نفسه. انهم لا يعتمدون على كرم الله، «ومن يعتمد على كرم الرب ينل حمايته.» وهو أيضاً رحيم جواد: «يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين ...»
فالى الجبل .. الى الجبل، يرتد ثانية قانطاً، هناك تحت شجرة التين يرى الله، تمتلكه الرؤى، تسيل الرأفة من فؤاده على البشرية جمعاء، على الأعداء والمسيئين في حنان غامر.؟

