« أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم . . . »
ولكن ، علام يعتزل يسوع الناس وقد أرسل مبشراً ؟ ! إن الفتنة لتشتعل في بلاد الجليل ، إنها لترتجف من شدة السخط ، فالأغنياء يمتصون الفقراء ، والأقوياء يعتدون على الضعفاء ، والخير قد اختلط بالشر . . ! أجل ، إنها لتطلب منقذاً . . . فليهبط إلى قومه من جديد ، ليبشر المساكين بملكوت السماء :
« طوبى لكم أيها المساكين ، لأن لكم ملكوت الله ، لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون ، بل اكنزوا لكم كنوزاً في السماء حيث لا ينقب السارقون ولا يسرقون ، لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً . . . »
أجدا الرسول الصادق الذي بشر بتلك المبادئ الخالدة ، أين الغرب من فطرتك النقية ؟ ! أين منه قولك السامي : « من لطمك على خدك الأيمن ، فحول له الأيسر أيضاً ، ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك ، فاترك له الرداء أيضاً ؟ ! » إنه لا يأخذ الثوب والرداء فحسب ، بل يستلب الأوطان والحقوق ويخنق الحريات ، ويغرق العالم في فيض من الدماء والدموع والآلام . .
أو تلك هي شعائر الرسالة السامية ؟ ! أم أن المسيحية الصحيحة قد شوهت لما انتقلت إلى الغرب كما قرر المهاتما غاندي في المؤتمر الآسيوي . . . ؟ !
أيها المحتفلون بالميلاد على موائد بيع الشعوب والذمم واستعباد الأحرار : لا تشعلوا الشموع ، وتغنّوا بأناشيد السلام والمحبة بعد الآن ، بل احتفلوا بموت الضمائر ، وهدر المبادئ ، ونصرة الباطل . . . .
لقد باع يهوذا الاسخريوطي المسيح إلى أعدائه - بدراهم اليهود - منذ ألفي سنة ، إلا قليلاً ، وها أنتم تبيعون مهده ومهبط رسالته في القرن العشرين ، فما أنتم منه ، وما هو منكم ، لقد بعث في الشرق . . . وستظل رسالته الخالدة هناك . . .
أيها الشاربون من دماء الشعوب ، والراقصون على جثث الضحايا ، والمحتفلون بموت العدالة ، أجل . . . حسبكم . . . لا تدقوا نواقيس السلام وتغنّوا مع المسيح بعد الآن : «المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام» ، فما ملأتم الأرض إلا فتنة واضطراباً ، ومظالم تعنو لها الجباه ، وتدمغكم بوصمة التاريخ . . . .
. . . أيتها المواكب السائرة وفيها جلال الفداء ، أيتها القلوب المضطرمة وفيها صدق اليقين ، أيتها الأصوات المجلجلة وفيها قوة الحق ، اشهدي الإنسانية ، اشهدي الله : أن الحق سيجد ضالته ، سيرفع لواءه ، سيتم نوره . . . في فلسطين . . . .

