وجمّتان ، وميلاد لم يرجع . وسرت الوشوشة في الضيعـة . ابن بو سعيد دائر على ابواب الناس ، جوعان عريان ... ولكن الخبر لم يبلغ اذني ابي سعيد الكبيرتين لانه لا يخـالط البشر . لا يؤمن بغير الحقل ، وليمت جوعًا من لا يعبد الارض . مذهبه : « من لا يزرع لا يشبع » . اما ام سعيد فعرفت اخبار ولدها من حاملة الجرّة ، الملقبة بالضيعة ( باليوسطة ) لثرثرتها ، فقعدت تبكي .
وقبل عيد الميلاد بيومين قالت لزوجها : اسمح لي افتش عن ميلاد . وقبل ان يقول لا اندفعت تقول ، وعيناها عالقتان بوجهه : بحياتك اسمح لي . كيف يمر عيـد الميلاد والصبي غائب عن البيت .
فعبس ابو سعيد ، فقـالت بانكسار : بحياتك ، قل لي روحي .
- روحي ، مع السلامة يا ام سعيد . ولكن خيّطي فسطانك . له نصف سنة في الصندوق . وكندرتك . ؟
فاجابت : الفسطان نخيّطه الليلة، واستعير كندرة ام حبيب .
فاستضحك وقال : خيّطي على مهلك . يتربّى احسن اذا خلّيناه يعيّد في بيروت .
- لالالالا
- طيب ... الحق معك . اركضي الحقيه .
وخافت ان يسترد ابو سعيد الاذن فلم تخيّط شيئًا ، استعارت كل شيء حتى النعـال والجوارب وكانت ليلة عيد الميلاد في بيروت .
ولم يفتح لميلاد بـاب رزق في بيروت فأمثاله في المدينة مثل الجراد الزحاف ، هذا يقتل ، وهذه تشحذ ، وذاك ينشل . اما ميلاد فحاول ذلك كله ولم يوفق ، لم تسدّ العتالة والشحاذة جوعـه فذبل حتى كاد ييبس . وتوسخت ثيابه وتمزّقت فاصبحت الناس تتقزز منه فينجر ليبتعد ... وسمع المسكين ان الناس يحسنون ليلة الميلاد وخياره فـاستعدّ للمعركة . ولكن ضفادع بطنه تنقّ ، وسيقانه لا تحمله . تذكّر قول والده : « التبن مسامير الركاب » . فتحسّر على لعقة ، ومشى في السوق كأنه البؤس متجسدًا . رأى شجيرات الميلاد منصوبة عند ابواب المخازن فضحك منها ، ولكنها ذكرته بتيتمهم الشتوية فتأوّه ، ثم مشى بعين مكسورة يفتش عن الرغيف ، والرغيف دولاب مهمات ان يدركه بائس مهدود مثل
ميلاد . والتفت فرأى ديوك الحبش مبسوطة ومعلقة بمناقيرها فظنها دجاجًا فهتف ، وهو ماش : « يا بارك الله ! هذا دجاج . ! »
هاجته وسوسة الملاعق ورنات الكؤوس ، هنا وهناك ، فتذكر فطور امه يوم عيد الميلاد عام أول ، وتنهد وزحف بعزم قادًا ساحة البرج . وأزجت عليه الشمال جامـد البرد فوحوح وتذكر الغارة التي كان يشنها على خابية النبيذ فتحسّر على مصّة . ولما اعياه الطواف لطي قرب كاتدرائية مار جرجس ، ومدّ يده اول مرة وصرخ :
- حسنة عنكم يا الجاويد . دخيلكم . جوعان !
ومرت الناس ومـا وقف عليه احد . طرحت له بضعة انصاف غروش ، ولكنها لا تشتري رغيفًا ، وحمي صراخه فازداد عددها قليلًا ، فوضعها في لبّادته المزفّة ، كان يصرخ ويحسب ، فاذا معه ثمن رغيفين ، فحمد الله . وتذكر الآية الانجيلية القائلة : اطلبوا تجدوا اقرعوا يفتح لكم ، فراجعـه توجهه وأنينه . وطفق يتحمّس ويجد في التمسكن حتى استولى على بلاغة هذا الفن ، ولكنه لم ينتفع لان الازدحام على مورد ( مغارة الميلاد ) كان قد خف . فحبس ميلاد لسانه ، وشرع يحسب ما في اللبادة حسابًا نهائيًا ، فضمن العشاء وبقي له ما يفكّ به ريقه ان اصبح ، فتوكل على الله ونهض . وما كاد يستوي حتى نطحه ازعر من لدانة واختطف القبعة وطار .
فزعق ميلاد زعقة منكرة وهم باللحاق به، فدوّخه الجوع وسقط كومة في مكانه .
وكانت امرأة تشاهد عن الرصيف الآخر صراع يائسين من صبية الازقة حول الرغيف فاندفعت الى الحيث الصريع تتعثّر باذيال فسطان أطول منها ، نكوكي وتجمع كأن حـذاءها ضيق ، وقد كادت تسقط في حومة الطريق لو لم تتشدّد . وبعد ألف جهد وصلت الى حيث يتكوّم الوَلد المغلوب فوقفت عليه وعيناها تتغرغر بالدموع ، ثم كرجت حارة فكادت تحرق خديها ، وبعد هنيهة تأمل ، من يعلم ما وفد فيهـا من ذكريات على مخيلة تلك المرأة حتى رأت نفسها تحتر للاحسان ، على قلة ما في جيبها من مال ، ثم امتدت يدها الى الولد ، وقالت له ، وهي بين الوعي واللاوعي : قم يا ابني ، تعال معي ، انا اعشيك .
فشق ميلاد عينيه وصاح : اُمّي .
عاليه ١٩٤٧/١٢/٥