حينما قيل لي ان امرأة لبنانية من الارجنتين ستعرض لوحاتها على ابناء وطنها الاول ، شعرت بمخيلتي تجمح فجأة الى الفنانات اللواتي سجل لهن التاريخ اعمالهن ، فتذكرت مدام فيجه لوبران ، وتذكرت روزا بونور ، وتذكرت برت موريزو وماري كاسات وماري لورنسن . ولكنني لم أتذكر قط ، او تطرق مخيلتي ذكرى واحد من الفنانين الرجال الذين ملأوا كتب التاريخ بأسمائهم وافعموا المتاحف والمعارض بأعمالهم . ولم اكن لأدري لذلك السهو سبباً ، الا اني حاولت ان ادركه فوجدت ان اهمالهم كان عن غير قصد مني ، لانني اعتقد ، بالوعي او باللاوعي ، ان الفارق بين الفنانين والفنانات اوسع من ان تجتازه المرأة بسهولة فتربط ذكرها بذكرهم واعمالها بأعمالهم او تدعو الى مخيلتي واحداً منهم .
ثم كان ان دعانا عمر الأنسي ، فاجتمعت اليها وتعرفت بها ، فوجدتها لا تزال رغم الخمس والعشرين سنة التي قضتها بعيدة عن الشرق تحافظ على طبيعتها الشرقية في حديثها وعاداتها وآمالها وآرائها .. فكأنها نزلت بكل هذه من احدى القرى الملقاة على اكتاف ربى لبنان ولم تأت بها عبر المحيط الشاسع .
*
السيدة بيبي زغبي لبنانية المولد ، لبنانية البنية ، لبنانية الفكر والنفس .
فهي ، ككل فتيات لبنان ، ولدت في لبنان ، ومن ابوين لبنانيين الا انها لم تحي حياة زميلاتها بل خلقت لنفسها وبنفسها حياة خاصة ...
كان مولدها في قرية صغيرة على الشاطئ الشمالي الهادئ ، قرية قد لا يذكر اسمها الآن الا فئة قليلة من اللبنانيين ، قالت لي ان اسمها « ساحل علما » .
وبقيت في لبنان تتلقى دروسها الاولية حتى بلغت الخامسة عشرة . وهي لا تذكر من طفولتها شيئاً قط اللهم الا صورة حلوة ، مشوبة في الوقت عينه حملتها معها ، كخيال طيف مبهم ، عن لبنان وأهله ، عن مجتمعه وعادات بنيه .
وككثيرين من اللبنانيين اتجهت السيدة زغبي الى الارجنتين فاتخذت منها وطناً ثانياً لها ، ترعرعت في ربوعها وتربت بين اهلها ، فأحبتها واحبتهم ، وأحبت روحها ازهارهم ، فشعرت بالفن يدب وئيداً في اعصابها ، فتلفتت حولها فوجدت اليد قصيرة ، فلم تخف ولم تتراجع ... ومضى زمن قصير وجدت فيه نفسها وعرفت غايتها فتناولت ريشتها بيمناها وملونتها بيسراها ، وكانت بعض سنين فاذا بيبي زغبي فنانة افتخرت بها الارجنتين قبل ان يعرفها ابناء « ساحل علما » ...
*
ارتكزت ثقافتها الفنية على مجهودها الخاص اكثر من ارتكازها على دروس
تلقتها من اساتذة التصوير . ويظهر ذلك جلياً في لوحاتها اذ انها استطاعت ان تشق لنفسها طريقاً خاصة بها بالرغم من اننا نجد بين الفينة والفينة آثاراً ضئيلة تدلنا على انها تسير بجعبة بعض الفنانين السابقين امثال غوكان وروسو .. ولا اعني بذلك انها تأثرت بها او اخذت عنها ، فهي نفسها تنكر ذلك وتقول انها لم تكن تعرفها قبل ان اخبرها بعضهم عن الشبه بينهم ... بل اريد ان اقول انها بكيانها النفساني وبملكاتها الفنية ، فهمت الطبيعة وادركتها ، مستقلة منفردة ، كما فهماها وأدركاها من قبل .
كان اول معارض السيدة زغبي في الارجنتين عام ١٩٣٤ وقد نالت فيه من الاستحسان والاقبال ما شجعها على المثابرة والاقدام ، فقصدت باريس حيث اقامت معرضها الثاني عام ١٩٣٥ وقضت بعض الوقت في مدينة اللوفر جمعت فيه ذكريات تعتز بها وتحبها . ثم عادت الى جنوب اميركا وزارت بلدانها تصور وتعرض صورها الى ان وقعت الحرب فانزوت في الارجنتين حتى الصيف الماضي حين جمعت لوحاتها واجرت مرة ثانية الى مدينة اللوفر . وفي حزيران الماضي (١٩٤٧) افتتحت الفنانة معرضها الثاني في باريس فنالت منه ما كانت قد توخت نيله ، وباعت من لوحاتها عدداً كافياً لان تجازف مجازفة مالية خطيرة اذ انها جمعت لوحاتها الباقية واتت بها الى بيروت لتعرض علينا نتاج ريشتها الرقيقة الهادئة بالرغم من ان بعضهم اخبرها انها لن تبيع في لبنان شيئاً ، ولن تجد من ابنائه من يقدر اموراً كهذه . ولكنها تؤكد لي اليوم انها وجدت في لبنان كل ما قد

