احتفلت الكلية الاميركية للبنات في بيروت بوضع الحجر الاساسي لبناء جديد ، حضرته نخبة راقية من نساء العلم ورجاله . وقد ألقت ، بهذه المناسبة ، السيدة زهية سلمان الكلمة الطيبة التي نشرها فيما يلي ، متمنين لهذا المعهد اطراد النمو والازدهار :
نجتمع اليوم ، يوم ذكرى تأسيس هذا المعهد الزاهر ، لا لتمجيد ذكرى مؤسسيه واطراء القائمين على ادارته فحسب ، ولا للتصفيق والدعاء . شأننا دائماً في ظرف كهذا الظرف .
ولكننا نجتمع هذه المرة بدافع آخر ولغاية اسمى !
نجتمع ليضع كل منا حجراً صغيراً في بناء جديد .
نجتمع لنؤسس كعبة جديدة للعلم والعرفان ، تؤمها كل فتاة تفتش عن معنى الحياة ، وتتوق نفسها الى التعرف الى مثلها العليا .
نجتمع لتشييد معقل جديد في سلسلة الحصون القائمة في هذه البلاد لا لصد هجمة غاز او مجتاح ، بل لصد جيش الجهل ودك حصون الخرافات ، وتحطيم قيود التقاليد البالية !
نجتمع للاحتفال باقامة منارة جديدة
على هذا الشاطيء الجميل ، وفوق هذه الرابية الخضراء ، منارة ترسل اشعاعاً بعيد المدى من نور المعرفة ، يبدد من حولنا ظلمات الوهم والغباوة ، وينير الافق الواسع امام الفتاة العربية الناهضة والمنطلقة ، الفتاة التي شرعت في استكشاف مجاهل الحياة ، وفي تفكيك طلاسم العلم واسرار الطبيعة وشعارها ، دائماً ذلك الشعار البليغ الذي اتخذته هذه الكلية رمزاً لها :
To strive to seek — to
find and not to yield
تعود بي الذاكرة ، وانا اقف على هذه الرابية الجليلة ، بين هذه الصروح الشاهقة والعمران الزاهر ، تعود بي الى الماضي القريب ، الى سنة ١٩٣٠ عندما كنت طالبة في هذه الكلية ، وكانت الكلية في غير هذا المكان ، وعندما كانت هذه الربوة نفسها صعبة المسالك من الصخور والاشواك والوعر ، وكنت هنا في نزهة مسائية برفقة الرئيسة المغفور لها السيدة فرانسيس اروين صاحبة الفكرة الاولى في انشاء هذه الكلية .
تلفتت فرانسيس اروين الى ما حولها برهة ، ثم صمتت برهة اخرى ، وما لبثت
ان شع منها ذلك الالهام العلوي ، وبرقت عيناها بنور المكتشف الناجح وقالت « ما قولك في نقل الجونيور كولدج الى هذه الهضبة الجليلة ؟ »
لم تنظر فرانسيس اروين بعين الواقع الكائن ، بل نظرت بعين الفكر وبترقب الخيال البعيد الى ما يمكن ان يكون ! ما هي سبع عشرة سنة في حياة امة او في عين التاريخ ؟
لقد تحققت فكرة الرئيسة الاولى باسرع من السحر ، وصرنا بين غمضة عين وانتباهتها نشهد البناء ، يزاحم البناء ، وصارت تلك الرابية الجرداء كما نراها اليوم مزرعة خصبة للفكر والمعرفة .
سيداتي وسادتي !
لقد مثلت هذه الكلية ، على حداثة عهدها ، دوراً هاماً في تطور حياة المرأة العربية في شرقنا العزيز . فهي التي اتاحت للفتاة فرصة التعرف الى العلوم العالية ، ومهدت امامها سبل الثقافة الجامعية .
هي التي فتحت امامها افاقاً جديدة للتفكير الصافي المنطلق وللعمل المشرّف ، هي التي دربتها على حمل التبعات ، ونفثت فيها روح المسؤولية الاجتماعية وحتمت عليها العمل على تحسين المحيط الذي درجت فيه ، وجعلتها بالتالي تشعر باهميتها في انشاء الحياة .
لقد مشت خريجات هذه الكلية في طليعة العاملات في الحقل الاجتماعي ، وفي النهضة النسائية في لبنان وسوريا وفي الاقطار العربية كافة . وان ما قمن ويقمن به من باهر الاعمال ، هو مبعث فخر واعتزاز لنا وللكلية ، سواء في ذلك المعلمة والطبيبة ، الاديبة او الموظفة او ربة البيت المثالية ، فكل منهن قد عملت في محيطها على رفع
وغبطة اولئك الاميات اللواتي اصبحن في نهاية الاسابيع الستة قادرات على الكتابة والقراءة ، فكن يغتنمن كل فرصة للاستفادة من كل ما يلقى عليهن من دروس وارشادات .
اما يوم الوداع فكان من اروع المشاهد واشدها وقعاً في نفوسنا . فقد خيم الحزن والاسى على جميع سكان القرية من صغار وكبار رجال ونساء ، وذرفت الدموع بغزارة حزناً على فراقنا ، فكان الجميع يتوسلون الينا ان لا نتساهم وان نعود اليهم في الصيف المقبل .
ان النجاح الذي لقيناه في هذه المدة القصيرة كان اكثر مما انتظرنا ، شعرنا جميعاً ان وجودنا كان مبعث خير وبركة لقرية عين يعقوب والقرى المجاورة ، ان عبارات التقدير والاعجاب التي كنا نسمعها من الجميع نساء ورجالاً كانت تزيدنا املاً للمضي في هذا المشروع . فقد استطعنا في هذه المدة القليلة ان نبث روح حب العلم والتقدم بين سكان تلك القرية خاصة النساء .
ولا يمكن لقلمي ان يعبر او يصف شعور

