

ماذا يطلب الطفل وما هي حاجاته الجوهرية ؟
إننا لو تغاضينا عن حاجاته الطبيعية الأولية من طعام ودفء وراحة ، لوجدنا أنه في حاجة إلى شيئين : الحب والشعور بالأمان .
والطفل الذي يشك في عطف والديه الحقيقي نحوه ، أو الذي يزعج لأنه لا يشعر بالأمان إلى جواره ، غالباً ما يشب وقد تركت هذه الحال في شخصيته أثراً بالغاً من ناحية الألفة والوفاق .
لهذا لا ينبغي أن نلجأ إلى تهديد الأطفال بالابتعاد عنهم . فقولك لطفل من الأطفال « إذا كنت تستمر على هذه الحال من سوء الأدب ، فإن والدتك ستهجرك وتبتعد عنك » قول يبدو في صورة تعنيف محتمل بالنسبة إلى كبار العقول ، في حين أنه يعد للطفل من أشد التهديدات إزعاجاً للنفس ، ويفوق في تأثيره حالة الضرب ، لأن الطفل قد يستطيع أن يفهم ، بل ويبرر الضرب ، في حين أنه لا يستطيع أن يفهم أو يبرر التهديد بالهجر ، ذلك لأنه يتميز بحاسة العدالة في صورة حقيقية وإن كانت فجة ، فيفهم أنه بالضرب مثلاً نال العقاب نتيجة خطأ ارتكبه .
ولكن الهجر ، أو التهديد بالهجر ، أمر جد مختلف ، ذلك لأنه يخدم رغبة هامة من رغبات الطفل ، فقولك لطفل « إني لا أحبك » قد يكون أقسى عبارة تستطيع أن توجهها إليه وعلى الوالد الذي يعلم قيمة علم النفس أن يتحاشى هذه العبارة ، كما لو كان يتحاشى الوباء سواء بسواء ، وسنأتي هنا على إيضاح بضع نقط ينصح علم النفس الآباء بالسير على هديها في معاملة أبنائهم :
أولاً : إن العالم الذي يولد فيه الطفل عالم كبير يثير الحيرة حتى عند الكبار ، ويحاول الطفل في سنوات تجاربه الأولى أن يضم العالم إلى بعضه ليفهمه ، وليتعلم كيف يكافح فيه ويناضل ، وكيف يصبح مرتبطاً به ، وليس من شيء يفيده أكثر من أن يكون الجو الذي يحيط به جواً مواتياً مناسباً .
ولكن لو منع الطفل الآن من عمل شيء ، وصفع على ذلك ، ثم سمح له في اليوم التالي بعمله دون تأنيب ، فإنه لا يستطيع حينئذ أن يفهم لذلك مدلولاً ، ويرى أن الأشياء تسير على غير قاعدة ثابتة لا يستطيع عقله أن يهضمها ، وهكذا يصدم في عالمه الصغير بنوع من التناقض بدلاً من التنظيم .
ثانياً : على الوالدين أن يتبعا طريقة واحدة مع الطفل ، لأنهما إذا لم يفعلا ذلك أصبح عالمه مضطرب الأحوال ، فإذا طلب أحد الوالدين شيئاً وطلب الثاني شيئاً آخر ، فكيف يمكن للطفل حينئذ أن يجعل الحياة معقولة مفهومة ؟
صحيح أن الزوج والزوجة يختلفان أحياناً في معاملة الطفل ، وهو أمر طبيعي ، لكن يجب عليهما أن يسويا خلافاتهما حينما يكون الطفل غائباً . أما في أثناء حضوره ، ومعاملتهما إياه ، فيجب أن يظهرا كأنهما شخص واحد .
ثالثاً : وعلى الوالدين أن يتجنبا أقل إشارة يفهم منها أنهما يفضلان ولداً من الأولاد على آخر ، لأنه إذا أشعر الطفل بأن حب والديه له أقل من أحد أعضاء الأسرة الآخرين تعرض لخطر التفكير في أنه أصبح أقل أهمية من غيره ، ومن هنا ينشأ عنده مركب النقص .
وتقسيم الحب بين أولادنا أمر ميسور ، بل هو أمر طبيعي ، ويجب أن نفهم من خلال حياتنا العائلية أن الحب ليس كالمال ، ذلك أنك إذا قسمت المال بين عدة أشخاص فإن كلاً منهم لن ينال ما يبتغيه ، أما إذا قسمت
الحب بين عدد من الأشخاص فإنك تستطيع أن تعطي كلاً منهم القدر الذي يريده .
رابعاً : كذلك يجب أن يسمح للأطفال بنوع من المخاطرة ، على أن هذا ليس معناه نعرضهم للأخطار المحققة ، لكننا نعني هؤلاء الوالدين الذين يحمون أطفالهم عن المخاطرات الصغيرة التافهة ، لأن ذلك يولد عند الأطفال عدم الثقة بالنفس ، والتهيب ، والخوف مما قد يترك أثراً في مستقبل حياتهم .
خامساً : يجب أن يسمح للطفل ، من بدء حياته ، بتدريب إرادته ، وتجربة قوة اختياره ، لأن قوة الإرادة تشبه قوة العضلات ، تنمو بالمران ، وإذا لم يسمح للطفل بتوضيح رغبته واختياره ، فإنه لن يشجع يوماً ويتبع إرادته . وهناك طرق كثيرة بسيطة ، يستطيع بها الطفل أن يستخدم قوة اختياره ، فدعه ينتقي غطاء سريره ، أو لون قميصه ، أو يرتدي هذا الثوب أو ذاك ، ويخرج للنزهة اليوم أو لا يخرج ، هذه جميعاً أشياء بسيطة ، لا ضير علينا إذا تركناه يتصرف فيها بمحض إرادته واختياره ، ولا نفعل كمعظم الآباء الذين يفرضون الأشياء على أبنائهم فرضاً ، وإني لأسأل الآباء أي ضرر محتمل يمكن أن يحدث من تحقيق رغبات الطفل ؟
***
هذه حقائق مستخلصة من الدراسة الحديثة لسيكولوجية الطفل ينبغي أن نكون دائماً في موضع الذكرى حينما نعامل الأطفال وبذلك نحصل على نتائج مفيدة ، وعلى أبناء صالحين .