
أنبل ، ووجهاً أكثر اشراقاً ؛ فهي وحدها في النساء ، في جيل من الخرافات والتقاليد ، وقفت ، وكأنها صوت كل امرأة في التاريخ ، من اول التاريخ ، الى ساعة ينطوي التاريخ ، تعلن للناس ، ان ما من شيء في الارض يمكنه ان يمنع المرأة من حقها في الحياة ، وحقها في الحياة ان تجاهد وتجالد ، وتنير وتستنير ، وتعلم وتتعلم .
وجاهدت هدى شعراوي وجالدت ؛ وكان في صوتها نبرات ، ما عرفت الاصوات اقوى منها واعمق ؛ وفي نبراتها حملت اصداء العاصفة التي كانت تتمزق عنها نفس المرأة في كل بلد عربي ، وتهدر في اعماق روحها ، فتختنقها اراجيف من الوهم وترهات من الباطل ..
وانارت هدى شعراوي واستنارت ، فاذا في قلب كل عربية نور يضيء ، واذا في جبين كل عربية مشكاة ، واذا هنا ، في عتمة القرون ، في انسحاق المرأة ومرارتها ، في حرمانها ويأسها ، في هذه السلسلة الطويلة من العبوديات السوداء ، بعث عظيم ، يتراءى من خلاله وجه امرأة ، قالت للتاريخ قف .. فلن يكتب صفحاتك بعد اليوم رجل الشرق وحده ؛ وحيث ينزل الرجل كلمة من نور ، ستتنزل المرأة كلمة من نور .
والقمم العالية لن تكون بعد اليوم ملعباً للنسور من الرجال وحدهم . ففي كل قمة جبين امرأة تشرق عليه الثورات وتلتحم فيه العبقريات ..
.. وكان ... ان تميل التاريخ ، ليكتب في اول صفحاته هذا الاسم الكبير في النساء « هدى شعراوي » .
وكانت بعدها ، هذه القافلة الجبارة من نساء العرب في كل بلد نزل اسم الله الواحد في حروفه
التاريخ الجديد .. وبعد ذلك كله تزرع الرجال في هذا المشرق العربي رجالاً نسوراً لهم اظافر ولهم انياب ... ولهم في الحق صيحات مدوية ..
فيا حنانك ، ايتها المرأة الكبيرة التي توارت !!
وانت في القافلة هديها وايمانها .
وانت في الضمير ، انتفاضة الحق والخير !
وانت لوحة البطولات ، في تاريخ المرأة ..
وانت على مفارق الجباه ، ثورة في جبين كل امرأة في العرب !
وانت ، انت في التاريخ ، وحدك ، تاريخ ..
. . .
ان « صوت المرأة » في لبنان ، وقد غصت الحروف فيها ، يوم نعي هذه السيدة النبيلة ؛ وان « صوت المرأة » في لبنان ، وبينها وبين هذه السيدة العظيمة ، صلات مشتركة من الود ، ومن الجهاد ، ومن المحبة ، ومن الوفاء ، لتجد نفسها عاجزة عن القيام بواجبها تجاه الفقيدة الكبيرة ..
وان هذه الكلمة المتواضعة تحملها « صوت المرأة » ، فيها المحبة العميقة وفيها من التقدير الصحيح ، لمن كانت في حياتها كلها صوتاً قوياً رائعاً في تاريخ المرأة ..
لقد اعطت هدى شعراوي كثيراً ، ومن حق المرأة ان تأخذ من عطايا هدى شعراوي .. وهكذا تخلد ذكراها الى الابد .
يناير ١٩٤٨
صوت المرأة
