فضعفت فيه ملكة الموسيقى ، ولما كبر الاخوان بات من الصعب التصديق انها توأمان فلو لم تمت والدتها وعاشا معًا ، يظللها الفن باجنحته الوارفة ، لكانت النتيجة غير ما كانت عليه .
فالتوجيه منذ الصغر مع الاستمرار فيه ، له اكبر التأثير على الصورة الفنية التي تنطبع في عقلنا الباطن . ترسخ في حواسنا ، وتنبهنا الى ما تختاره لنا من موسيقى . ولهذا ضعف فهمنا وتذوقنا للموسيقى الكلاسيكية لاننا لم نسمعها ونحن اطفال ، فلم تألفها آذاننا ، بل كثر سمعانا لانواع اخرى من الموسيقى . لا تمت للفن بصلة ، فتمشغناها وحسبناها فنًا ، وعمينا عن حقيقتها لان عقلنا الباطن او عز الينا بذلك .
فجري بنا ان نعنى بتوجيه اطفالنا فنيًا وان يبدأ هذا التوجيه منذ اولى سني طفولتهم ، وذلك بان نوفر لهم جميع الاسباب التي تؤدي الى رقي مستواهم الفني .
١ - لنحرص على ان نسمعهم في اوقات راحتهم ارقى انواع الموسيقى الكلاسيكية العالمية ونساعدهم على
تمييزها عن سواها من الموسيقى المنحطة وبذلك ننمي فيهم الذوق السليم والقدرة على تذوق الفن الصحيح .
٢ - لنجتهد في ان نجمل من بيتنا الصغير معرضًا للرسوم التي لها قيمتها الفنية - او نسخًا عنها - ولتنور اطفالنا بكل ما تهضمه مداركهم عن حياة الرسامين العظام وعن القيم الفنية التي يقاس بها الفن الحديث ...
وفي الذكرى الخامسة لميلاده ، لتكن هديتنا له رزمة من الاقلام الملونة ودفترا ضخمًا يعبر عليه الطفل عما ازدحم في عقله من خيالات الطفولة البرينة . وبالتمرين ، تنمو فيه قوة الملاحظة لتناسق الالوان وتنافرها ، ويتهذب ذوقه .
ومتى عادت ذكرى ميلاده للمرة العاشرة ولمسنا فيه شوقًا فياضًا للاستطلاع عن اسرار الجمال ، فلنغتنم هذه الفرصة الفريدة ، ولنهده مجموعة مصغرة لخيرة الفنانين العالميين ، فينكب على هذه المجموعة ، يتفهمها ويدرس خطوطها والوانها واهميتها الفنية .
ومتى دعينا الى مشاهدة معرض للرسوم ، او للتماثيل الفنية فلنشجع اولادنا على مرافقتنا ، وبذلك يحظون بين الحين والحين ، في التمتع بخيرة الرسوم ، وتصبح لهم القدرة على تكوين رأيهم الخاص بها ، والجرأة على نقدها فنيًا اذا دعت الحاجة ، فيكونون قد خطوا خطوة سريعة في طريق الفن - تلك الطريق التي كانت وعرة المسلك ، فرفعنا الحجارة عن جوانبها بايدينا حتى باتت فسيحة ، رحبة الارجاء ، يؤمها اطفالنا بارتياح كلي ، فتصبح حياتهم غنية بمعانيها وقيمها وتتخلص تدريجيًا من الجذب الفني المستولي علينا .