مرحلة اساسية من مراحل تاريخ العهد القديم قدمتها لنا ادارة الاكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة - فرع الموسيقى - في ٢١ ديسمبر من العام المنصرم في حفلة شائقة جمعت نخبة من متذوقي الفنون تحت جو ساد فيه التضامن والتكاتف الكليان . وقبل ان نقول كلمتنا عن الطوفان والفداء لننطق بها فيما يختص «بسان سانس» و«فرنك» فنعرض حينئذ الداعي الذي دفعنا الى فهم الطوفان والفداء كقطبين لانقلاب شائق حصل في تاريخ العهد القديم وكانت النتائج وخيمة .
ولد كميل سان سانس سنة ١٨٣٥ عهد الثورات المتعاقبة في اوروبا وتفاعلاتها في فرنسا خاصة فاتصف بحبه للمنطق
والعقل فاثر ذلك في موسيقاه اذ ظهرت واضحة جلية المراد ولشدة ذكائه طغى المنطق على قريحته العاطفية فاتت الحانه على الشيء اليسير من الركود غير ان عاطفته سالت قليلا في الطوفان وجمع هذا الاوراتوريو (Oratorio) بين رشاقة التعبير وجموح الشعور وقد الف عدة مقاطع غير ان الطوفان اثار ادهاش علماء النظر لما فيها من حسن الأسلوب في التأليف الموسيقي دون ان تشتمل على قريحة موسيقية فياضة .
وفيما يلي نذكر خاصة «رقصة الاموات» Danse Macabre التي يصف لنا فيها رقص هياكل الموتى امام ابواب المقابر في اسلوب وصفي نادر المثيل والروعة . واما فرنك فقد ولد سنة ١٨٢٢ في «لياج» Liège واتم دروسه الموسيقية في فرنسا . وقد اتصف بنقاوة السريرة وحسن السيرة كرس حياته في سبيل الفن وخاصة الفن الديني الذي وجد فيه تراثا يشبع مطامحه الروحية الفياضة وتأثر في تأليفه للارغن باسلوب باخ بعد ان لقي قالبه الشخصي في التعبير . كتب عدة اوراتوريو منها «روث» والفداء والطوباويون ورفقا وقد كتب عدة مقاطع من الموسيقى العلمانية من سمفونيا وقطع للبيانو . وقد اتصف بكل مؤلفاته باتجاه واضح نحو التصوف والروحانيات وقد رأينا الآن
ان فرنك ولد والف قبل سان سانس غير أن حب سان سانس للمنطق دفعه الى تأليف الطوفان بعد ان سمع عزف الفداء لانه رأى ان الفداء كان له سبب اول وهو المعصية ومحرك قوي وهو الطوفان . ولما كان يتصف بقوة الوصف رأى من المناسب ان يؤلف الطوفان فيجمع هكذا بين موسيقاه وموسيقى فرنك .
«من الطوفان الى الفداء» حفلة اتحفتنا واتت على تناسق غريب فالطوفان قطعة وصفية رائعة تجلى فيها حسن الوصف خاصة في المقطع الثاني حينما يصف غضب الحرب المتساقط على البشر بشبه غيوم متلبدة ورياح قوية تعصف يمنة وشمالا ومطر غزير متواصل اربعين يوما واربعين ليلة الى ان يقف به الوصف الى فتح نافذة من السفينة خرجت منها حمامة لتتفقد شؤون الارض الغائرة بمياه الطوفان . وهنا تلبس الموسيقى حلة الارتياح وتتعالى الالحان المتلألئة كتلألؤ الجو بعد مطر وابل دام وقتا طويلا وكأني بنا نشعر بوجود ذاك الهدوء الناعم الذي ينعشنا بعد شتاء غزير .



