اسبوع الآلام مأتم حقاً، تحدّ فيه الكنيسة ولا تتبرج الا مساء السبت (سبت النور) ابتهاجاً بقيامة (العريس) منتصراً فاذا سمّاه القروي (الجمعة الحزينة) فقد صدق.
الضيعة خاشعة صامتة، والحزن يملأ كل بيت، لا يحيون بنهاركم سعيد، ولا يمسّون بالخير، سلامهم يتمجد ابن الرب يسوع، وردّه السلام لستنا مريم العذراء. والكنيسة كخلية النحل، ناس تجيء وناس تروح. الجدران تنتهد، والحنية تأوّه، والقبة تولول مهدودة الحيل. الصلوات كل يوم، وعن الصوم لا تسأل. لا يفطر الا الزنديق، ولا يأكل اللحم والبيض واللبن الا القليل الدين..
***
في ذلك الزمان... جاء الخوري تيموناوس الهيكل قبل الغروب، ودق الجرس حزناً. ثم اخرج من عبّه مسبحته الوردية ليصلي للراكب على المشارق والمغارب. اخذ يذرع ساحة الكنيسة بجلال ووقار كأنما يمشي على البيض، يشهد احياناً وينظر الى مسبحته ليرى اي مسافة قطع. ان صلاة مساء الخميس طويلة والناس ابطأوا.
غريب الشكل الخوري، لو عرفه داروِن ما احتاج الى برهان آخر، حاجباه قاعدان تحت جبين نافر كأنه رفرف مطفف فوق نترتين في صخر منقوش، يمتد بينها انف افطس مشلوق، وتحت هذا الينبوع شاربان كقرني الكبش، تتدلى تحتها لحية طويلة لو لم تكن سوداء كجناح الغراب لحسبتها مكنسة.
سبحان الخالق، اعطاه بشاعة بغير حساب وكأنه شاء ان يجعله آية فابتلاه بالجدري، الذي قلل هيبته كثيراً. وبلوته الكبيرة انه اخيف فاحدى عينيه خروبية، والثانية زرقاء يحسبها الرائي خرزة عين. لهذا غلب لقب (بليق) على اسمه بطرس، قبل ان مسح بالزيت المقدس كاهناً لله، ثم زاد سمنه في بشاعته فهو بعد كهنوت الخالق مربوع تخين اسود لماع.
كان الخوري مرحاً في شبابه، يفرفر فلا يستقر بمكان، لا شغل له الا النطّ بالضيعة، فما تسمع الا راح بليق جا بليق، الولد عجزة ابيه، ولد صبي مات ابوه والام لا تربي
اما مشايخ الضيعة فكانوا يهزون رؤوسهم متعجبين كيف راح بليق وجاء غيره.
وقالت عجوز للقاعدة حدها: الله، الله، كيف كنت يا ام قبلان وكيف صرت.. سمع ابنها منها فصار خوري الرعية. فأثقت ذلك: وعمر بيتها واستراحت من هبّ الفرن والتنور. كانت تأكل من مغزلها وكارتها وصارت اميرة.
اما الخوري جرجس الذي امسى عاجزاً مخرشماً فجلس بين اولاده يسمع. يحرك شفتيه ولحيته الحالكة ولا يقول شيئاً. يتذكر عزه القديم يوم كانت الرعية لراع واحد فيتمتم، واخيراً زمّ بأنفه فجأة وقال بحدة وهزء: تفّ للايام التي وصلنا اليها، متى كانوا يكرسون للرب نقابة الناس مثل اخينا بالله.. هذا خوري، هذا تنبل.
وحاول اولاده ان يسكتوه فرفع صوته نكاية بهم وصرخ مرتين: هذا تنبل، هذا تنبل.
اما الشباب عشراء الخوري تيموناوس فتنحوا والتفوا حلقة على الرحبة تحت البانة يتحدثون ويتغامزون، تارة يقضمون الضحكة قضماً، واحياناً يقطونها قطاً. وبدا الاضطراب على وجه الخوري تيموناوس فكان يشد في مشيته صوبهم لعله يسترق شيئاً من حديثهم. الخوري يخاف لسان احدهم زكريا. وزكريا شاب فات الثلاثين، طويل القامة نحيلها، مبيض البشرة مصفرها، نبتل في الخامسة والعشرين ولبس الغنباز الاسود المخطط، وشك الدواة في زناره كشدياقة ذلك العصر، واطلق لحيته الشقراء سبيلها ولكنه كان يأخذ منها فلا تطول. عبث رفقاؤه بقصيرته أولاً ولكنه صبر عليهم فغلبهم.
الشدياق محمود الصفات، يغض طرفه ان بدت له جارته، يحافظ على وصايا الله والكنيسة، ما تخلف عن قداس وزياح. هو وافه الكنيسة - القنداق - وشماس الخوري ليربح الاجر. لم يفطر يوم سبت منذ بلغ ورشد ولم يأكل لحماً ولا بيضاً ولا لبناً يومي الاربعاء والجمعة، وفي الصوم يعاف الزيت ايضاً. وسيان عنده أجاز البطريرك ذلك ام لم يجزه فهو بطريرك نفسه. متعبد لمريم العذراء ان سقط (ثوب السيدة) من رقبته لا ينام تلك الليلة نوماً هادئاً. ولولا تهكمه وعيشه بالناس ما شك احد في قداسته. فهذا العبث بذوي العاهات خطيئة كبيرة تنزل الى جهنم. والانسان يبقى غبها فيعاقب نفسه لا صبراً. يخلق الله في ذريته عيوب من يستهزئ بهم..
كان زكريا عابثاً جداً بصاحبه الخوري
فركب رأسه.. ما نجت بنت في الضيعة من مداعبة او سهرة عندها، وكثيراً ما كان يدق عدة ابواب في الليلة الواحدة، وحيث يحل يمتلئ البيت هرجاً وضحكاً.
كاد يتزوج طابيتا بنت ضاهر حنا، ولكنه اطاع امه وخصى نفسه بعد موت خوري الضيعة، فدرس اللاهوت والسريانية وبعد سنتين صار كاهناً جليلاً.
***
الميت وحيد ابيه، والليلة قراء تغري الناس بالخروج، فاقبل الناس حتى العجز ليحضروا تمثيل مأساة القاضي. لباس الجميع السواد كأنما الضيعة استحالت ديراً. والكثيرون لا يصلحون من هدامهم اهانة لنفوسهم، وبعض الشيوخ يلبسون الجب مقلوبة كأن الفقيد ابن عمهم لحماً. الجميع يصلبون حين يواجهون الكنيسة. بعضهم يقبل خد الباب وآخرون زاوية الهيكل، ومن يختصر يستلم الحائط ويصلب. التحية للخوري اولاً ثم للجماعة. فيجيب حضرته بتحريك لحيته. يلتفون حلقات وحديثهم كحفيف الحصاد، طنافسهم العشب، وكراسيهم الحجارة.
وجاءت الآنسة طابيتا وقد زرفنت شعرها كعادتها فاكبر بعضهم وقاحتها وخصوصاً زكريا، وعذرها غيره لأن البنت بارت بعد (بليق) فهي الان تنصيد عريساً ولا يهمها أمات المسيح ام عاش. كانت طابيتا غير فصيحة ولكنها ذات حركات ابلغ من الكلام في التحريك والاستمالة. سمراء مقبولة الصورة، باست خد الباب بشفتيها الممتلئتين بوسة بليغة، ومست الاب الجليل فاجاب بحنية رأس خفيفة وبلا شعور ارتفع صوته قائلاً: اعطنا خبزنا كفاف يومنا. فضحك الشدياق زكريا وزمرته الملتفة حوله عند جزع السنديانة، فتنبه ابونا تيموناوس وتنهد يسأل الله الستر.
لم يكن غير الصبيان يقبلون يديه الطاهرتين فيمنحهم البركة الالهية فيستقبلونها بكشوفي الرأس، ويزودهم بابتسامة لا تتضح الا على جبينه لان فمه التي مخبأ وراء غابة كثيفة... وما عليه ان ابتسم لهؤلاء، وهو يصلي، فالسيد قال: دعوا الصبيان يأتون اليّ.

