ما تجسمت علامات التصوير اليدوي في لبنان الا في اواخر القرن الماضي ، وما انبثق فجره جلياً الا لما ابصر النور داود القرم وحبيب سرور وخليل الصليبي وفيليب الموراني ، وهؤلاء هم واضعو حجر الزاوية في بناء الفن اللبناني .
واليوم ، وقد بدأت النهضة الفنية الحديثة تبني فوق البنيان المرصوص الذي اسسته رجالات الفن في الماضي بناءً محكماً، وذلك في خلال السنوات العشر الاخيرة ، فتنتج وتعرض انتاجها في المعارض ، فان عدد المتذوقين في لبنان يزداد يوماً بعد يوم .
من الصعب جداً في وقت قصير ان يبلغ الانسان درجة عالية في تفهم الفنون . واذا رأينا السواد الاعظم من الشعب الاوروبي يتذوق ويفهم ويقدر اللوحة الفنية فلان شعب اوروبا سليل اجيال تمخضت بالفنون فولدت فناً تناوبته ، على الاجيال ، فترات هبوط وصعود الى ان اصبح وقد مهرته العبقريات فناً خالصاً خالداً .
مما لا شك فيه ان اكثرية الشعب اللبناني بدأت تتذوق اللوحة الفنية وتتعطش الى فهمها وقلما تجد من يحلل لها ميزاتها تحليلاً علمياً مجرداً عن
كل هوى منزهاً عن كل غاية .
ما ابعدنا عن تفهم اللوحة الفنية تفهماً علمياً صحيحاً وما اعجزنا عن تطبيق المقاييس الجمالية في لوحة فنية وما اكثر ما يسوق احكامنا الفنية هوس شخصي وعاطفة لا تمت الى الفن بصلة ، فاذا اللوحة المبتذلة تحفة رائعة

واذا التحفة الرائعة لوحة مبتذلة ..
لبنان اليوم بحاجة الى نقاد فني خبير مخلص في نقده يفهم معاني الرسم في اللوحة، في قوته وفي ضعفه ، كثرة الترديد في اظهار الحجم بالرسم وقلة الرسم بالحجم وباظهاره بصورة تكاد لا يتبين فيها الرسم ووضع اللون الذي
يتم عن رسم ورسم يتم عن لون ويجب على الناقد ان يظهر تفوق الرسام الرسام في شكل من الاشكال مثل موضوع زاه من عل او زاه افقياً او من اسفل وان نتخيل الموضوع اشخاصاً سابحة في الفضاء . أليست تلك الاشخاص التي رسمها ميكال انجلو سابحة في الفضاء في معبد سكستين آية من آيات الرسم الخالدات ؟
ليس كل من ركب الخيل عد معتلياً، وليس كل من يكتب عن الفن عد ناقداً وحجة . ان النقد الفني الصحيح موهبة قبل ان يكون اكتساباً، ثم يتعهده صاحبه بالمارسة والتمرس بفنون الرسم اي تعلم اصول الرسم ومزج الالوان ونوعية العمل الفني التي تضع القطعة الفنية في مقام هام، ثم على الناقد ان يتردد على المتاحف ومحترفات الفنانين والانتباه التام الى كيفية الابتداء بالقطعة وكيفية الانتهاء منها ليتعرف الى مواقع الضربات الحارة منها والباردة والى توزيع اللمسات والانتقال من الظلال الى ما بينها والى الالوان والانوار فانه لفي ابراز الظلال على اللوحة تتجلى مقدرة الفنان . من اراد ان يحلل القطعة الفنية يجب عليه معرفة كل ما تقدم واعظم من ذلك ان يبين الناقد المعاني الدقيقة التي تنقل بها لطشات خفيفة سريعة
