... كانت ديميتير الطيبة، ربة الخيرات ومقدمة البركات الرحيمة، ملونة الزهر ومنضجة الثمر، واهبة الحقول خضرتها ... كانت ديميتير تسكن في قصر منيف مشرف على اروع سهول جزيرة صقلية جمالاً واعذبها واطيبها هواءً. وكانت حين يتنفس الصبح تلبس تاجها اليانع الذي ضفرته من سنابل القمح، وتقبض بيمينها على صولجانها المرصع بالزبرجد ثم تستوي في عربتها المطهمة، فتنطلق بها تجوب انحاء الارض، وتمر بكل مزرعة، وتقف عند كل كرمة، تهب القمح من نفحاتها فينمو من بركاتها، وتهب اليانع من انفاسها فيطيب ... ثم تعود اذا جن الليل فتهرع اليها ابنتها الصغيرة برسفونية فرحة متهللة، وتلف ذراعيها الجميلتين حول ساقي امها.
وكانت الفتاة برسفونية ـ تقضي سحابة النهار الى ان ترجع امها، في سرب من اترابها، بنات الغاب الحسان، فيظللن يقطفن الزهر، ويجمعن الرياحين، ثم تنشب بينهن معركة من معارك الطفولة، فيتراشقن بالورد، والزنبق الغض وافواف السوسن الابيض. وكانت الغدران تترقرق من تحتهن، وتهدل الاغصان من فوقهن ...
... وكان بلوتو، اله الموتى، ورب الدار الاخيرة قد مل هذا السكون المخيم في مملكة المقابر تحت الارض
(هيدز) وسئم هذه الاشباح التي تطوف به هنا وهناك في الظلمات المحيطة به، وارواح الموتى، تئن وتتوجع في كل مكان من ملكه الموحش الحزين ... فاسرج عربته الضخمة والهب جيادها بسياطه القاسية، فانطلقت تعدو به الى .. الدار الاولى .. حيث الحياة .. بلوتو، ينشق هذا النسيم الحلو الذي يغمر ملكوت اخيه زيوس ويروي روحه الظامئة بالتفرج على عرائس الماء وبنات الغاب ... وفيما هو ينهب الارض بعربته اذ به يسمع، ضحكات مرنة، واصواتاً موسيقية واحاديث كأنها دنانير من ذهب ... كأنما ما يسمعه شدو وغناء.
وازاح اغصان الغابة، فرأى الحمامات البيض يلعبن على الحشيش، وكأن في ارجلهن ثغرات حلوة ..
وجن جنون بلوتو ... واقسم ليخطفن هذه الفتاة الحلوة من بينهن !!
« إلام أظل في هذا الديجور الحالك « وحدي؟! وحتام اقاسي منفاي « السحيق من غير صديق او رفيق؟! « وما قيمة ملكي الشاسع، ما دمت « لا سمير لي ولا مؤنس، الا زبانيتي « وكلابي، والإشارون، المسخ الكئيب، « حارس بوابة الجحيم. « لقد مللت ... ولا بد لي من هذه الكاعب الحسناء! « ان لها لغةً رقيقاً ... وانها
« لتنثني كالغصن .. وويلي .. عليها .. « .... « .... « .... « وقدماها !! « يا للعقبين المستديرتين ... والجنة الناغمة فيها !! « والذراعين الناعمتين « والظهر العاجي !! « والشعر الذهبي « ويلي ...
وهذه الابتسامة التي ترف حول الفم انها اجمل من زهرة التفاح في اوائل شهر نوار ... ومن ازهار اللوز في نيسان.
« ... يا فيّ، انك ظمئ الى قبلة تطبعها على هاتين الشفتين الاقحوانيتين سأخطفها ! سأجلسها بجانبي على عرش « هيدز » ! ستصبح مليكة دار الموتى ! ستقشع ظلمات ملكوتي بوجهها المشرق الجميل ... وستجسد ولتسجد ارواح الموتى عند قدميها !! ..
* * *
والهب بلوتو جياده ... فانطلقت نحو الفتيات، ولشد ما تفزعن اذ لحن وجهه الاغبر، والظلال المظلمة تتخايل فوق جسمه الجبار.
وكان يتبعه كلبه وسيربيروس ذو الرؤوس الثلاثة، يلقي الرعب حوله .. وفرت الحسان مذعورات ... الا « برسفونية » فقد قبض « بلوتو » على ذراعها وجذبها الى العربة ... وراح يسابق الرياح .. واعترضته ماء نافورة .. وسرعان ما فار الماء وصار يغلي، فخشي الجبار وخاف ... : ولكنه تناول صولجانه الهائل، وضرب به الارض فرجفت وزلزلت وانشقت عن

