اخدود كبير بعيد الغور ...
وكانت برسفونية قد ادركت ان احدى عرائس الماء قد عرفت من امرها كل شيء ، وانها قد تستطيع ان تؤدي لها خدمة ، فحلت ( برسفونية ) زنارها الحريري الابيض ، والقت به عند ضفاف النافورة عسى ان يصل يوماً الى أمها ..
وانطلق بلوتو في ظلام الاخدود حتى وصل الى مملكته .. فاستوى على عرشه ... وراح يترضى برسفونية ، وهي لا تزداد الا شماساً ونفوراً .. طاف بها ارجاء مملكته الشاسعة ، واراها شطآن انهار الجحيم . وخاض بها وديان الافاعي والعقارب ، والدرك الاسفل من النار ، وحديقة الخونة واللصوص ، ذات الاشجار الملتهبة ... وكان يضاعف في كل ذلك فزعها .
عادت « دييتير » ... ولم تجد « برسفونية » وعبثاً حاولت ان تقف لها على اثر . فرعدت الام وارتعدت وراحت تصيح كالمجنونة « برسفونية اين انت ، برسفونية ؟ ! »
ووصلت الى ابن اخيها هيفستوس ، اله النار فاعارها شعلة عظيمة تنير لها ظلمات العالم ، عسى ان تهتدي الى برسفونية ..
جاست خلال الغابات ، اخترقت الاودية ، فتشت الشطوط ونفذت الى اعماق الكهوف ، وجالت في مهاوي الجبال ... ولم تعثر بها وجلست ربة الخصب والخيرات حزينة كاسفة ...
وآلت ان لا ينضر حقل ولا يذر نبات ، ولا تثمر شجرة ما دامت ابنتها نائية عنها ! فجفت السهول ويبست سوق القمح ، ويبست البساتين ، وضجرت بهيمة
الارض ، ونشر الجوع الوية الخراب في العالمين .
***
وفي طوافها وصلت دييتير الى النافورة التي القت عندها برسفونية الزنار الحريري .
ورأتها عروس الماء تئن وتتوجع ، وعلمت انها الربة « دييتير » فحدثتها قائلة : طيبي نفساً وقري عيناً ، فان بلوتو رب الهيدز هو الذي خطف برسفونية ! وهاك زنارها ... خلصي الفتاة فانها لا تذوق طعاماً ...
وتناولت دييتير ، زنار ابنتها فعرفته ، ثم طفقت تلقيه على عينيها وصدرها ... ساكبة دموعها .
وقصدت توّاً الى زيوس فحدثته بما قالت عروس الماء ، واقسمت لديه ، ان لم يأمر اخاه برد برسفونية ، لتهلكن عباده جوعاً فلن يسمن لها زرع ولا ضرع .
فتأثر زيوس من قولها ثم قال : « لا بأس من عودة برسفونية إذن ... ولكن على شرط الا تكون قد ذاقت طعاماً من « هيدز » فانها ان كانت قد فعلت ، فلن تصلح للحياة في هذه الدار الاولى .
وكانت « برسفونية » قد اكلت في ذلك اليوم نفسه الذي وعد فيه « زيوس » بعودتها الى الدنيا ، ست حبات من الرمان ! فلما علم زيوس بذلك ، عدل حكمه ، فقضى ان تلبث برسفونية في « هيدز » عند شقيقه بلوتو ستة اشهر من كل سنة ، اي شهر بكل حبة رمان ! ؟
وتعود الى امها فتلبث معها ستة اخرى .
وبعودتها يعود النماء الى الزروع ، والازهار الى الحدائق والشبع والثروة الى الناس ، ويكون عودها ربيع الحياة وبهجة الارض .
وكانت الحياة كلها ربيعاً ، لولا هذا الشرير بلوتو ...


