... لما تبدأ الايام الحلوة ، وتستيقظ الارض وتخضر ، ويداعب جسومنا فتور الهواء العطر ، ويدخل الى صدورنا وكأنما ينفذ الى قلوبنا عندئذ نأنس رغبة غامضة في اجتناء سعادة غامضة وتتوق الى التجوال والبحث عن المغامرات والارتواء من ينابيع الربيع .
... كان الشتاء قاسياً فكان هذا الشغف التنفس العميق في شهر الربيع ، كأنه قبول يغمرني وكأنه غيث منهمر .
وقد استيقظت ذات صباح ، فرأيت من نافذتي فوق المنازل المجاورة ، الافق الشاسع الازرق يغشاه ذهب الشمس والشارع فياض بالمرح ، فخرجت صافي الذهن ، لا اعرف أين اتجه . وكنت ارى الابتسامة تعلو كل ثغر ، وآنس ريحاً من السعادة تهب من كل صوب في ضوء الربيع الحار . وكانت المدينة تمرح في غمرة من الحب ، والفتيات يخطرن في زينة الصباح ، وكأن عيونهن تنم عن حنان دفين فغاض قلبي اضطراباً ، وسرعان ما وصلت إلى نهر السين دون ان اعرف كيف او لمَ .
وكانت السفينة البخارية تتأهب للسير فخطرت الي رغبة فجائية ان اسير الى الغابات وكانت السفينة غاصة بالركاب ، فالتفت فاذا بجانبي جارة ، ذات ظرف باريسي ، ورأس اشقر فاتن ، تتهدل خصلاتها على خديها كأنما ضوء من الشماع منتشر وتداعبها الربيع فوق اذنيها وعنقها البديع الاشقر .
وجعلت احدجها ملياً ، فالتفتت نحوي ثم خفضت عينيها فجأة ، وارتسم على فمها ظل من ابتسامة حلوة .
وكان النهر الهادئ يتفتح امامنا والضوء يملأ السماء ، وغمغمة من نشوة الحياة تملأ الفضاء .
وكانت جارتي جميلة ساحرة ، وفي نظراتها الف معنى من المعاني ، والف سر عميق وفيها سحر ناعم ... وملكتني رغبة مجنونة في ان اضمها في ذراعي واحملها الى البعيد اوشوش
في اذنها انغام الحب وهممت ان افتح فمي ... واذا بشخص يمس كتفي ... واذا انا برجل لاهو بالفتي ولا بالشيخ يحدق بي بنظرات كئيبة ، ويقول ... كلمة يا سيدي !!
وأحس الرجل اني اتيت بحركة تضجر ، فقال ... امر مهم يا سيدي .
ونهضت وتبعته الى زاوية في السفينة وبدأ يقول : سيدي ! في الشتاء البارد الماطر ، يقول لك طبيبك « ادفئ قدميك جيداً ، واحذر من البرد والزكام والنزلات الصدرية . » فتحتاط لنفسك ، ومع هذا فانت تقضي شهرين في الفراش دائما ... وعندما يأتي الربيع ، بكل ما فيه من مغريات ، من خضرة ومن ازهار ، ومن رياح فاترة وانفاس ناعمة ، تحمل نفسك الى اشياء غامضة مبهمة ، فما من احد يأتي اليك ويقول لك ، حذار من الحب فانه في كل ناحية ، يتربص لك في كل ركن .. وينصب شراكه لاقتناصك بكل ما عنده من اسلحة وخيانات ... حذار من الحب !! حذار منه ... فانه اخطر من الزكام والنزلات الصدرية والسل و ... نعم ؛ سيدي اقول لك انه من واجب الحكومة ان تعلق على الجدران اعلانات عليها : « عودة الربيع : حذار من الحب !! » كما يكتب على ابواب المنازل احياناً « حذار من الدهان ! » وما دامت الحكومة لا تفعل ، فاني انوب عنها واقول لك : « حذار من الحب ! فهو مزمع ان يبطش بك ، وواجب علي ان اخطرك كما يخطرون في روسيا ماراً قد تجمد انفه . »
فلبثت جامداً ذاهلاً امام هذا الشخص الغريب ، ثم تكلفت الانفة وقلت : « يلوح لي يا سيدي انك تتدخل في ما لا يعنيك . »
فأتى بحركة سريعة واجاب : « لو رأيت يا سيدي ، رجلاً اشرف على الغرق في مكان خطر فهل اتركه اذن يغرق ؟ ولكن اصغ الى قصتي يا سيدي فتعلم لم جروت ان احدثك على هذا النحو : « كنا في العام الماضي في
مثل هذا الوقت ؛ ويجب ان نعلم اولا اني موظف بوزارة البحرية ، فاطللت من نافذة مكتبي ذات يوم ، فأطربتني زرقة السماء وصدح البلابل ، حتى كدت ارقص بين الصناديق والاوراق المكدسة . فلما انصرفت سرت الى السين . وكان الجو بديعاً كما هو اليوم ، فركبت هذا المركب نفسه قاصداً ان اتريض ... وخيل إلي اني اتقد من حرارة الشمس واطربني منظر كل شيء : منظر المركب والنهر والشجر والمنازل وجيراني ... وكنت اتوق الى معانقة اي شيء في العالم ، فاذا بالحب يهيئ لي شراكه ، واذا بي ارى فجأة فتاة تصعد الى المركب في يدها حقيبة صغيرة ، وتجلس امامي ...
« وكانت حسناء - اجل يا سيدي ، ولكن المدهش هو ما يخيل الينا من ان النساء يبدون اكثر حسناً اذا صفا الجو وجاء الربيع ، وعندئذ نأنس فيهن سحراً خاصاً .
« فحدقت بها وحدقت بي ، ولكن من وقت لآخر فقط ، كما تفعل جارتك الآن . واخيراً رأيت بعد المثابرة حيناً على تبادل النظرات ، ان الوقت قد حان لمجادلتها ، فخاطبتها فاجابتني وكانت رشيقة ككل امرأة ، فتممت لحديثها ... وجعلت رقة الهواء تنتزع الزفرات من كلينا .
قلت لها : « لا بد ان يكون الجو بديعاً في الغابة . فقالت اجل بلا ريب !!
قلت : فهل ترافقين ايتها الآنسة على ان نتجول هنالك قليلا ؟ فحدجتني بنظرة سريعة شاملة كأنما تختبر شخصي ! وقبلت دعوتي بعد تردد قليل . واندفعنا نسير جنباً الى جنب بين الاشجار ، في ظلال الاغصان النامية التي تعكس الشمس على خضرتها . وكانت الطيور تصدح في كل ناحية ، فتممت صاحبتي طرباً لهذه البدائع الطبيعية ، واخذت تشب هنا وهنالك ، وانا من ورائها .
ثم اخذت تغني مختلف الاناشيد بنبرات رخيمة حتى كدت ابكي ...
وسرعان ما غلبها التعب فجلست على العشب الاخضر ، وجلست عند قدميها وامسكت بيدها اللتين ارتسمت فوق اناملها وخزات الابر ، فتأثرت لذلك . وقلت في نفسي : « هذا طابع العمل المقدس ... »
ثم حدق كل منا في صاحبه ملياً . آه !! عين المرأة لشد ما تبطن من قوى ، ولشد ما
