هي سيدة تخطت الاربعين ، لكنها رغم عملها المستمر ، وحيويتها النادرة واندفاعها في حقل الخدمة الاجتماعية ، في الاوساط النسائية الاميركية وغير الاميركية ، فانها لا تزال تحافظ على وجه ريان نضر ، وعينين تطفح منها اعمق معاني الحياة ، وقامة مشوقة هيفاء ..
نعم انها اميركية ولكنها ناقمة على رئيسها ... فقد نشأت في قلبها عاطفة حب للعرب ، وعطف على قضيتهم وحقهم في فلسطين فشارت النخوة في دمها واستفزها غدر الاميركيين ومناصرتهم للصهيونيين ضد العرب ، فشنت الغارة على حكومتها لايقاظ الرأي العام الاميركي فألقت سلسلة محاضرات ولفتت فيها نظرهم الى الحقائق التي أسدل عليها – عن تعمّد – ستار كثيف من الخداع والمراوغة ، فنراها تهجر مقاطعتها ، متنقلة بين المدن الاميركية الكبرى ، محاضرة في نواديها ومجتمعاتها النسائية عن «العرب» الذين يجهلهم الشعب الاميركي كل الجهل – وهالها ان ترى شبيبتها الساذجة المندفعة ، على ضلال مبين ، بشأن حقيقة القضية الفلسطينية ، ومشروع التقسيم .
آلت السيدة كوبي على نفسها ان تعمل جل استطاعتها لتقارب وجهة النظر وللحيلولة دون تنفيذ مشروع التقسيم الذي لا ترى فيه الحل الناجح للحالة المؤلمة في الارض المقدسة . فخرجت من اميركا الى اوربا فمصر ففلسطين ، ثم الى لبنان ، وكانت اينما حلت تلقي الخطب
الوافية ، وتنوّر الرأي العام حول هذا الموضوع ، ونجحت في تأدية رسالتها الى حد ما .
اسعدني الحظ بمقابلة السيدة كوبي ، فأخذت بقوة شخصيتها وطلاقة لسانها وادلت اليّ بالتصريحات التالية قالت :
« بنتيجة احتكاكي المباشر بالاوساط الاميركية ، لقد ثبت لي أن تصويت الشعب الاميركي لتقسيم فلسطين حصل تحت ضغط ، وان الاميركيين يشعرون الان ولا ريب بانحرافهم عن الحق والعدالة في تقريرهم هذا المصير ولكنهم لا يجدون حيلة للخروج عن هذا القرار ، ما دامت حكومتهم لا تزال توازره . »
وارتفع صوتها بحماس اذ قالت :
« إن الغرب قد غش العرب وغش اليهود على السواء . والخطوة الاولى هي ان يتنحّى الانكليز والاميركان عن فلسطين ويجلوا عنها كل الجلاء . »
سألتها : « وماذا يكون مصير اليهود
آنئذ ؟ » فاجابت :
« لا يحدث شيء لليهود ، بل يبقون كافلية في فلسطين وتعود العلاقات الودية بين العرب واليهود ، وتُمحى الضغائن والاحقاد في وقت قصير اذا لم يكن لمطامع الدول الكبرى يد ومصالح في اثارتها ثانية ! » قلت : « وهل تعتقدين انه من السهل على العرب ان يتصافوا مع اليهود بعد ان أهرقت دماؤهم وشهدوا الويل من ورائهم ؟ » فاجابت :
« إن العرب واليهود عاشا في وفاق ووئام منذ مئات السنين في فلسطين . ويثبت لنا التاريخ ان انكلترا واسكتلندا بقيتا في حالة حرب مدة ٥٠٠ سنة ورغم هذا فيها الان يعيشان بسلام لا يعكر صفوه كدر . »
وقادها ذكاؤها لرؤية الشك في عيني وعدم ايماني بنظريتها فتابعت حديثها موضحة قالت : « اني اميركية ولكنني صديقة للعرب وهذه الصداقة نزيهة ، ليست مبنية على غاية او مصلحة . وقد زرت فلسطين مرارا وتنقلت في نواحيها وشهدت مدى نشاط اليهود وتفوقهم في جميع نواحي التمدن العالمي وارى في بقائهم في فلسطين فائدة جُلّى للعرب – شرط ان تتوقف الهجرة اليهودية ويعامل اليهود كافلية ليس غير ، وتجلو جميع الهيئات الغربية – الانكليزية والاميركية – عن الاراضي الفلسطينية وتكف عن الطمع بمصالح تعود بالنفع عليها وحدها ! »
شكرت السيدة كوبي وانا منصرفة ولم يسعني الا ان أعجب بها وبركوبها البحار ، وتجشمها الاخطار ، وتكبدها النفقات الجسام في سبيل الدفاع عن قضية لا يربطها بشخصها الا الود الخالص واحببت ان أعرف السيدة كوبي الى قارئات « صوت المرأة » .

