

لم اجد في العالم شيئاً لا يتناسب حجمه الصغير مع عمله العظيم كالكتاب. بضع اوراق نحويها قبضة كف وهي تحوي عالماً بأسره.
لقد ورثنا بواسطته افكار العصور وحضارة الشعوب وثقافة العلماء والادباء من الاقدمين. فيه اقوال الانبياء، فيه الواح العلم والادب، فيه تقاليد الاجداد، فيه شوق الانسان لمعرفة الحقيقة الابدية. فالفلاسفة في معتزلاتهم وابراجهم والمفكرون في صوامعهم الباردة والشعراء في اوديتهم الخيالية يكفنون ارواحهم بصفحات الكتب البالية. فالكتاب روح فيها أثر ومثال الانسان في عمله الفكري والمادي. يحمل الينا افكار ابطال الشعوب من كنفوشيوس الى سقراط وافلاطون الى علي ابن ابي طالب والغزالي وجلال الدين الرومي الى كوبرنيكوس وباستور.
ما هو الكتاب الذي يمكننا ان نتخذه صديقاً لنا.
لقد قال باستور موجهاً كلامه الى الشبيبة: اقضوا اوقاتكم في الجو الهادئ المطمئن الذي يسود المكاتب والمختبرات. فهذي هي معابد الفكر البشري والروح الانسانية.
نعم! ستقضي معظم اوقاتنا في المكاتب ولكن اي الكتب تختار؟ انا اعتقد ان المثقف العظيم والمهذب [...]
الاول هو الكتاب الكلاسيكي الكتاب الذي يقرأ ويدرس منذ قرون عديدة والذين يدرسونه يعتقدون انه سيدرس في المستقبل ايضاً مدة طويلة. فيه شيء دائم خالد من الطبيعة الانسانية. ان للشعوب اعتقادات وافكاراً ثابتة، مطلقة في نظرهم، يسيرون حياتهم عليها ولا يمكنهم مواجهة المستقبل بدونها. وهذه الافكار متولدة في الكتب الكلاسيكية، في كتب قادة الفكر في العالم. فهناك كتب قد أثرت تأثيراً بليغاً عظيماً في تاريخ النفس الانسانية. ذلك ان العواطف الاصيلة والافكار القوية هي نفسها في الكائن البشري سواء أعاش في القرون السحيقة وفي هواجر خط الاستواء ام في عصرنا هذا على جنبات القطب.
أو تظنون ان الام الزنجية السوداء في قلب افريقية اقل حباً لولدها الزنجي من الام البيروتية لطفلها الاشقر الجميل؟ أو لا نشعر حتى اليوم اذا ما قرأنا وداع « هكطور » « لاندروماك » في الياذة هوميروس، بعظمة هكطور وجلاله وبوداعة اندروماك واناقتها وحبها لزوجها ووحيدها كما لو كانت الحادثة جرت عندنا وفي محيطنا؟ وهكذا القول عن « نجيل » مولير الذي مثل مدة ستة اشهر متواصلة، لا في القرن السابع عشر
في فرنسا بل سنة ١٩٣٨ على مسارح طوكيو.
والى جنب هذه الآثار الكلاسيكية التي تدون خلجات النفس الانسانية الاصيلة فترتفع بها فوق الزمان والمكان، آثار تتطرق من الحوادث التاريخية الخارجية الى تفهم اسبابها ونتائجها فتمحص الماضي وتفهم الحاضر وتتكهن للمستقبل. هي تلك اللمحات الشاملة في الشؤون التاريخية والاجتماعية والانسانية كآثار بوسيه وباسكال ومونتسكيو فضلاً عن آثار فلاسفة اليونان وكبار اعلام الادب العالمي كدانتي وسرفنتس وشكسبير وغوته وطاغور.
هذه الآثار سيدرسها الانسان ما دام انساناً وسيجلها لانها تعبر عن الحقيقة ويصبح المرء اعقل وارشد اذا ما تعرف اليها.
ان مثل هذه الكتب تبث فينا روح الوداعة اذ نفهم ان هنالك حقيقة مستقلة لا تتعلق بجوهرنا نحن، هي حقيقة مطلقة متجردة التقطها غيرنا فعرفها وحاول ان يشرحها لنا كي يفيد البشرية. غير انه يجب علينا بمساعدة تفسيره وكتابه ان نختبرها نحن ايضاً ونفهمها. وهو ما يدفعنا الى الخروج عن خمولنا وتخرجنا الى شيء احسن وافضل. وكذلك نتطلع الى ما اوجده قادة الفكر من اي بلاد كانوا وزى وجهة نظر الآخرين فنفهمهم ونفهم مطالبهم فيسود السلم في العالم. ولا سلم بين الشعوب دون تفاهم.
وكيف نتفاهم بطريقة احسن من طريقة الكتب والثقافة. ولقد فكرت بهذه المسألة المنظمة الدولية للتربية والعلوم والثقافة فرأت ان تنشر الكتب العالمية في جميع البلدان.