كلما سمعت من محطة الإذاعة هذا النواح الذي يسمونه غناء، عجبت من الصبر العجيب الذي يتميز به سكان هذه البلاد، ومن مقدرتهم على استماع النغمة الموحدة البالية تتردد على مسامعهم، وهي نفسها منذ عشرات بل مئات السنين.
ان موقفهم هذا يعني إما انهم تعودوا الاستخفاف واللامبالاة، والانتقاد الذي ينحصر في الكلام، او ضعف الاحساس الموسيقي في نفوس الكثيرين منهم، او ايضاً انهم ألفوا القبح حتى أحبوه وتعلقوا به على حد قول المتنبي:
خُلقتُ ألوفاً لو رجعتُ الى الصبا لغادرتُ شيبي موجع القلب باكيا
ليس الغناء عندنا، المظهر الوحيد لهذا الميل الى اجترار القديم والاستمساك بالنغمة التقليدية المألوفة، لا لشيء سوى لأن آذاننا قد تعودتها واساغتها رغم قبحها.
حضرت من مدة حفلة خطابية تبارى فيها خطباء من طلاب المدارس. وسمعت جميعهم يكررون هذه النغمة الموحدة التي ألفناها في الغناء. نوعاً من «الرندحة» والترنم، تنعدم معه شخصية المتكلم. ارتفاع وانخفاض – صياح وهياج – تمثيل وتطريب يبعث السأم في النفوس، كان يعجب به السامعون لانه النغم المصطلح عليه. ولا اشك في ان المحكمين قد منحوا الجائزة لمن اتقن النغمة اكثر من سواه، وحلّق في جو التقليد، والتصويب والتصعيد.
ولماذا نلوم ابناء المدارس؟ اما حضرت حفلة خطابية تكلم فيها رجال وادباء معروفون؟ اما سمعت الخطباء من محطات الإذاعة وغيرها يتبارون في «انشاد» خطبهم؟ اما لاحظت عندهم هذا التنغيم والتفخيم الذي هو أبعد شيء عن الطبيعة وعن الفن والشخصية.
ان اول صفات الفن والادب الذي هو جزء منه لا يتجزأ انه شخصي يعبر عن نفسية صاحبه، وانه قطعة من نفس الفنان وفلذة من كبده. ولا ادري كيف يمكن للقطعة الادبية ان تكون فناً – ان تكون شخصية – اذا كان صاحبها يلقيها بهذه الطريقة اللاشخصية؟ كيف يستطيع ان يكون شخصياً في انشائه ومعدوم الشخصية في القائه؟ ان هذا التصنع الخطابي لدليل على ضعف شخصيته في الحالتين.
قد تكون اللغة الى حدٍ ما مسؤولة عن هذا الحال المؤسف. لاننا حتى الآن لم نفلح في ان نجعلها لغة حديث، لغة صلة بين الروح والروح. لا تزال الفصحى بعيدة عنا، متوسدة عرشها بين القيوم، ولا تزال اذا اردنا استعمالها نلبس لها الطيالس والجلابيب على طريقة «بوفون» ونتلبس بشخصية غير شخصيتنا، ونفخّم الفاظنا وننغّم عباراتنا، ونعود الف سنة الى الوراء، الى عهد قس بن ساعدة وعبد الحميد بن يحيى. ولا اعني هنا ان احط من قدر هذين الاديبين فقد قام كلاهما بدوره ومثل عصره وشخصيته خير تمثيل. اما نحن فلا.
رحم الله روسو حين نادى قومه بالرجوع الى الطبيعة، الى نفوسهم، وكأنه رأى الامعان في المدنية وفي الفن اصل البلاء. اما نحن فعلينا ان نعود الى نفوسنا في كلامنا، فننفي منه الترويق والملق، الى الطبيعة في خطبنا واغانينا، فننفي منها الانشاد والتقليد. لكن داءنا ليس امعاناً في المدنية بل في فهمنا الفن بصورة معكوسة، اي بكونه تصنعاً وانعداماً للشخصية.

