موزارت ! وكفانا هذا الاسم تعريفاً في عالم الموسيقى للمكانة التي يمتلكها موزارت في تاريخ الموسيقى وتطور انتاجها. لقد بدأ يؤلف في الرابعة من عمره فاحاطه والده بالعناية المنتظر تأديتها لولد بهذا النبوغ الفريد من نوعه.
وجه موزارت انظاره إلى الآفاق البعيدة فتجلى له الظفر واذ ذاك اخذ يمشي بخطاه الواسعة نحو الامل المنشود. ففاضت نفسه شعوراً واخذت تتجسم الافكار في عقله يطلقها على كف الرياح الحاناً خلابة تكاد تذهب بكمان الروح فكان اذا اراد ان يؤلف عصر مجهوده الفكري في هذا النوع من الانتاج فتأتي الحانه قوية السبك سلسة الديباجة لانها تجمع بين بساطة الذكاء الفذ وقوة الارادة الصلبة. وقد كان بامكانه ان يضيع شيئاً من مواهبه لما اوتيه من فخر وبهاء. ولكن حسن تصرفه في الحياة جعل من الفخر والمجد وسيلتين لتشجيعه على المثابرة في العمل لخدمة الفن وتأدية الرسالة المفروضة على تفكيره القوي الناضج. ولم يحل المجد دون تعاسة موزارت فقد قضى ردحاً من الزمن في ازمة مالية قاسية حتى قال : اني بحاجة إلى بيع مواهبي ويا للفظاعة ! !
ورغم ما داهمه في حياته من هواجس وصروف فقد ظل على ما هو عليه من خفة روح مدهشة.
اما ادبه الموسيقي فهو ادب متفائل
مبني معظمه على الفكرة التفاؤلية التي ترى الحياة بين الرغد والعيش الهني. وقد تكون الحياة في حد ذاتها سخية عليه وقد تكون قاسية ولكنه يدعوها امه المدرار التي لا تضن عليه بشيء. ولذا امست الحانه مورد البؤساء وذوي الحاجة إلى نشوة فرح تدعم حياتهم المثقلة بالاحزان والهواجس. فقد اتخذ الموسيقى بمثابة معزية لاحزانه يودعها اسراره وخفايا قلبه ساكباً هذه العناصر القوية بقالب رائع نادر المثيل فنظم النظام الوافي حتى قيل : «نظام موزارتي».
فاذا استمعنا إلى «قِران فيغارو» Les noce de Figaro لمسنا عن قرب تأثير الموسيقى الايطالية التي وردت اليه عن طريق اتصاله بالموسيقي المسرحي الكبير : روسيني Rossini فقد اعرب في هذه المسرحية عن المام حقيقي بالمشاكل النفسية اذ حللها تحليلاً دقيقاً من جميع متناولاتها. وظني به قد اكثر من الاشخاص وعدد من الادوار كي يظهر لنا باي براعة نادرة المثيل قد اسفرت نتيجة المسرحية عن انتصار الفكرة التفاؤلية اذ تنتهي المسرحية كسائر مقطوعاته بنشيد الطرب والالحان الفرحة التي تتدفق حيوية ونشاطاً. وقد نسمع طوال المسرحية صوتاً عميقاً يردد بين الفينة والفينة : لا اعلم اي دافع يدفعني إلى النشاط والعمل اشعر بعنصر حيوي في باطني يشجعني على المواظبة في السير
الى الامام.
ولذا لبست الحانه الطابع المنشط المشجع الذي يرفع بالنفس إلى مستوى تفهم به مقدار نشاطها فتفهم حينئذ قيم الحياة وتسير في طريق الحياة ولو كانت وعرة.
ثم اذا اصغينا إلى «المزمار الطروب» وهي آية بديعة في الفن والتأليف شعرنا على ملمس في قلبنا بروح ثائرة تريد التحرر من كل الاوجاع الراهنة في عالم الفن كي تخرج على المتذوقين بمبادى جديدة تنطوي على الشيء اليسير من روح الحق والتضامن الاجتماعي والتكاتف على السير نحو هدف واحد هو اصلاح المجتمع عن طريق الفن وهو اصلاح ثابت لانه يخاطب العاطفة قبل ان يستميل التفكير.
ولذا قد ظهرت هذه المعزوفة كنقطة تحول في تطور عقلية موزارت فبعد ان الف لمجرد المامه بالموسيقى اخذ ينتج ويناضل لخدمة بيئته وبالتالي المجتمع فامست الحانه لمتذوقيها كدعامة قوية في عالم التفكير والانتاج. ولذا صح قول هيدن فيه : انه المصلح النادر والعبقري الثائر.


