عندما افاق اهل الكهف بعد ثلاثة قرون من دخولهم اليه كانوا يفكرون بالمنطق نفسه الذي كانوا يفكرون به من قبل ان يناموا تلك النومة العجيبة. واخذوا المال الذي كان معهم، يشترون به طعاماً، وهم لا يعلمون ان العالم تبدل وان النقود تبدلت وان الحياة تبدلت من اساسها.
ونحن اليوم في الشرق العربي نفيق من رقدة اشبه برقدة اهل الكهف فنحسب ان الحياة ما زالت كما كانت منذ خمسة قرون وان المقاييس التي كنا نقيس بها ما تزال هي نفسها الفاعلة في العالم.
ويصح هذا بالاكثر على نظرتنا الفنية وحكمنا على ما يسمونه اليوم بالفن الحديث.
فقد تسربت الينا عن طريق المجلات والمعارض والنازحين بعض نماذج لهذا الفن يقف اكثرنا امامها هازئاً كانه يقول:
ما هذه الصور الممسوخة؟
ما هذه الترهات؟
واين هذه من الفن الكلاسيكي الذي يصور الحياة تصويراً طبيعياً صافياً. فإذا صور انساناً اطلعه انساناً جميلاً وإذا صور منظراً جاء مطابقاً للمألوف.
فالعصر الحديث ليس وليد اليوم
وانما هو نتيجة محتومة للتطور الذي يبتدئ بعصر النهضة. فمنذ تأمل الانسان ونظر الى ماضيه نظرة نقدية منذ تلك اللحظة تقرر له ان ينتهي الى ما هو عليه اليوم. فما كانت المدرسة الرومنطيقية الا ثورة على جمود الكلاسيكي وما كانت المدرسة الطبيعية الا ثورة على الرومنطيقية وكان اهتمامها زائداً بالمناظر الطبيعية. وما كانت التأثيرية الا ثورة على كل ما تقدمها وجعلت للنور في الصورة الاهمية الكبرى واخفت الخطوط في اللوحة معتمدة على الالوان لتحديد الشكل. فواصلت التأثيرية اجتياحها في شتى المواضيع الى ان استنفدتها ولم يعد بد من بعض التغير فكان لاكتشافات «فان غوغ» و«غوغان» و«سيزان» اهمية كبرى من حيث الانتقال. فكان «فان غوغ» يؤمن باخضاع الشكل واللون الى الفكرة المقصود التعبير عنها فمن اراد مثلاً ان يعبر عن فكرة النجوم المشعة في الليل التي اثرت فيه، يجب عليه ان لا يتقيد بالنسب الفتوغرافية بل يضخم حجم هذه النجوم لتعطي اشعاعاً غير طبيعي يتناسب مع وقع هذا المنظر في نفسه، واجتاحت «غوغان» التي اكتشف بها ان في المشاهد عادة لون غالب يبهر اكثر من غيره لذا كان يكثر منه في لوحته. واجتاحت «سيزان» التي تقول ان النور يجمع بين اجزاء الكائنات فتبدو متلاصقة بينما هي في الواقع منفصلة، وانه يرى ان الكائنات مؤلفة من
اشكال هندسية يجمعها النور. كل هذه النظريات التي نقبلها في لوحات هؤلاء الثلاثة اتخذتها المدرسة الحديثة على اساس التطور المستمر. فكبرت الشكل وغالت به وفصلت اللون عن الشكل وقسمت الكائنات الى مكعبات وعززت الخطوط واستعملت الالوان النقية غير الممزوجة على مسطحات واسعة وقللت من قيمة تلك الكائنات ـ ولعل اهم ميزة للفن الحديث هي شك الانسان بالقيم المطلقة التي اعتنقها منذ الاف السنوات فاصبح كل شيء عنده نسبياً وغير ثابت واصبح هو ميزان القيم النهائية بينما كانت هذه القيم تفرض عليه من كائن خارج عنه.
والواقع ان الفن مرتبط اكثر ما يكون بما يسمونه روح العصر فهو لا يصور الاشياء. كما نريد ان نراها، وانما يصور النوازع البشرية المختبئة وراء هذه الارادة ووراء. كل ما يهدف اليه الانسان. فالفن اليوناني يصور الروح اليونانية التي تنظر الى الحياة نظرة طبيعية صافية لذلك فهو يصور الطبيعة على اجمل ما تكون.
والفن المصري القديم يصور الروح النازعة الى ما وراء الحياة فهو لا يهتم بالطبيعة قدر ما يهتم بالرموز الغامضة التي تخرج بالانسان من نطاق المألوف الى الغموض الروحي المؤدي الى الدين.
والفن في القرون الوسطى يصور

