لم يسبق لي أن زرت سجن الرمل
وما كانت نظرتي الأولى إلى المكان
الذي أقيم فيه والأبنية التي تألف منها
إلا تشعرني بأنه أعد ليكون سجنا .
فالنوافذ والأبواب تكلمك من الخارج
وتحدثك حديث من اختفى وراء
جدرانها الصماء ... ويها لهول حديثها ...
ها نحن في البناء الخارجي حيث
خصص جانب منه لمكتب مدير السجن
ومعاونيه ، كما أعدت فيه غرف استقبال
للسجناء . واجتزنا إلى فسحة كبيرة
قام عليها خمسة أبنية ضخمة .. كل
شيء نظيف في الخارج هدوء وسكينة
يخيمان على المكان . وقادنا الملازم الذي
استقبلنا ، إلى البناية الأولى مشيرا إلى
أنها أعدت لتكون محجرا صحيا
( كرنتينا ) يمكث فيه السجين ثمانية
أيام قبل أن يعطى مكانه الخاص .
وبعد هذه المدة يفحص من قبل طبيب
السجن ويستحم وتبخر ثيابه وينقل
إلى البناية الثانية - بناية الموقوفين .
كان عددنا ما يقارب الأربعين فاخذ
القلق يساورني شفقة على أولئك المساجين
التعساء إذ لا شك في أننا سنقلق راحتهم
عندما ندخل عليهم بعددنا الكبير
هذا . ولكن هان الأمر عندي لما
رأيت أن الغرفة الواحدة المتوسطة
الحجم ، تضم ما يزيد على الخمسين
سجينا !
أما البناية الثانية فهي بناية
الأحداث ، وخصص قسم منها للموقوفين .
أما الحالة في هذه البناية فهي تعيسة
جدا . فلقد خصصت غرفة صغيرة
للأحداث الذين تتراوح أعمارهم بين سن
الحادية عشرة والخامسة عشرة وكان
عددهم يوم زرنا السجن ثمانية وعشرين
حدثا ، كما خصصت أخرى مثلها للذين
هم بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة
من سنهم ، وقد كان عدد هؤلاء
اثنين وخمسين فتى . وإن الترتيب على
أساس السن أمر محمود ولكن كيف
يعيش خمسون حدثا في غرفة واحدة لا
عمل لهم طوال مدة أقامتهم هناك .
وقد تطول هذه المدة إلى بضع سنوات
فماذا ننتظر منهم عندما يخرجون من
جديد إلى المجتمع ؟ هل فكر المسؤولون
في ذلك ؟
ولقد تحدثت مع هؤلاء السجناء
الأحداث وأكثرهم القي في السجن
من أجل سرقة أو حادث نشل قام
به ، فتبين لي أن معظمهم من طبقة
باعة الكعك ومساحي الأحذية وباعة
الصحف ، وأنهم في الحقيقة مساكين
يستحقون الرحمة ، رحمة المجتمع الذي
نبذهم فألقاهم في السجن من أجل عمل
شاذ قاموا به . ولست أقصد بالرحمة
هنا العفو عنهم أو إخراجهم من السجن
قبل انتهاء مدتهم ، كلا لكني أقصد
الإصلاح والتقويم ، حتى إذا عاد هذا
السجين الفتى إلى المجتمع وجد في نفسه
رادعا يردعه عن العودة إلى الإجرام
الذي لا يكلفه سوى قضاء أشهر
معدودة ضمن جدران غرفة ، تمرس
على العيش فيها وربما راقت له . ومن
ذلك نرى أن هذا الفتى السجين إذا لم
يمت أو يصاب بداء السل ، لا يبدل
السجن من حاله شيئا بل لعله يزيدها .
لم ندخل البنايتين الثالثة والرابعة
إلا أننا علمنا أنها أعدتا للمحكومين من
الرجال وليس بالأمر العسير أن يتصور
المرء حالة هؤلاء أيضا ، فمن البديهي
أنها لا تختلف عن الحالة التي رأيناها
في بناية الأحداث مع ما يفرضه فرق السن
وهذه هي البناية الخامسة أنها
تختلف بعض الشيء عن البنايات السابقة
فهي مستشفى السجن وقد توفرت
في هذا المستشفى شروط النظافة
والترتيب والراحة ، وفيه عدد غير قليل
من السجناء المرضى ..
وعلى بعد بضعة أمتار من المستشفى
بانت لنا بناية سادسة . فقادنا الملازم
إليها قائلا : « لنذهب إلى المشغل
الآن . » قال هذا بعد الملاحظات
العديدة التي أبدتها المنجدات عن عدم
— التتمة في الصفحة ٤٠ —

