الحق هو الذي يستطيع الانصراف بكليته إلى أدبه أو فنه ، لا يمارس عملاً سواه ، ولا يلتفت لفن غيره ، وبغير هذا الانصراف لا يمكنه التحليق ولا بلوغ القمم . في حين أننا نرى أدباء لبنان موظفين أو تجاراً يركضون وراء معاشهم ولا يتاح لهم أن يتعمقوا في الثقافة ، والتعمق أساس الإبداع ، ولا أن يعيشوا لفنهم ولفنهم فقط ، وذلك شرط الخلق الفني والإنتاج العبقري .
إن لبنان قد عجز حتى الآن عن إنتاج أمثال طه حسين وتوفيق الحكيم ، وكلاهما ممن أتيح له التعمق والانصراف الكلّي إلى الأدب . وبهذا وحده - لا بزعامة مصر - استطاعا أن يفرضا أدب مصر على جميع الأقطار العربية .
بماذا يتباهى لبنان ؟ أبعلمائه ؟ ونحن لا نجد لهم أثراً . أم بمجلاته وصحفه التي تجاهد لتعيش والتي لا تجد بينها صحيفة واحدة علمية تتخصص في علم التربية أو علم النفس أو الطب أو الاجتماع أو غير ذلك من العلوم العصرية التي تفتح عيوننا على آفاق جديدة وتعلّمنا التفكير العلمي وتقوم أعوجاج نفوسنا المبتلاة بالثرثرة الأدبية .
كان للبنان عهدان حقت له المباهاة بها فيما مضى . أولهما حين طلعت فيه على أيدي الإرساليات تباشير نهضة لغوية أدبية في عصر اليازجي والبستاني وغيرهما ممن بعثوا العربية من رقدتها ووضعوا أسس التجديد في اللغة والإنشاء . وثانيهما حين حمل أدباء المهجر اللبنانيون مشعل التحرر اللغوي والأدبي والروحي ونشروا في عالم العرب أنوار رسالة تحريرية لم يطل عهدها مع الأسف لأنها خبت برفاة جبران وانعزال نعيمه .
أما اليوم فماذا بقي ؟ ألفاظ جوفاء . ألفاظ يرددها دعاة اللبنانية ودعاة العروبة والقومية وغير ذلك من نزعات وأحزاب . إن دلت على شيء فعلى انقيادنا للعاطفة وانخداعنا بالأقوال وإن أثرت شيئاً فهي تثمر البلبلة والتفريق والخصام .


