على كل لسان وراح بعضهم يختلقون القصص والاراجيف لاغراض في نفوسهم ، ودحضاً لهذه الاختلافات احببت ان اقدم عرضاً موجزاً لبعض هذه الظروف الشاذة والعواطف التي تحيط بها ، فزرت بعض الملاجئ وتحدثت الى عدد كبير من هذه العائلات المنكوبة وغير المنكوبة ووقفت على حقائق ترجف لهولها الفرائص وتشمئز من فظائعها النفوس الابية المنطوية ولو على قليل من العدالة والرحمة !
تقدمت من سيدة في عقدها الخامس ، يحيط بها اربعة شبان وشابة واحدة . تبينت من نظرتي الاولى انهم جميعاً اولادها . حييتها وسألتها فشكرت الله وشكرتني . ولم اجرأ على الاكثار من الاسئلة لان الجو كان مثقلاً ، مشبعاً بالحزن وكأنما هذه السيدة أنست بزيارتي لها فأخذت تحدثني عما يجول في خاطرها الشارد من افكار قاتمة قالت :
« كانوا خمسة شباب وقد استشهد احدهم منذ ايام في معركة طبريا . كان دور ابني الكبير ان يحرس حينا العربي في الليل من تعدي الصهاينة . أصيب بصراع حاد فانتخى اخوه الثاني وتبرع بالحراسة عنه وتسلح وقبل يدي وطلب رضاي وما ابتعد قليلاً حتى ابتدأت القنابل تنصب على الشوارع والبيوت بدون سابق انذار ، ومن خلال زجاج النافذة رأيت جسد ابني يتطاير إرباً إرباً ... رأيت يده تطير ورأسه يتمزق فزحفت اجمع هذه الاشلاء الحبيبة من اللحم والعظم المبعثرة على التراب ، واكملنا زحفنا الى الدير تحت ستار الليل ، فاذا بالدير مأوى جميع العائلات العربية ... واستمر الضرب ثلاثة ايام متتالية ولما تسللنا خفية تحت ستار الليل الى بيوتنا لاخذ ما نحتاج اليه ، ألفينا الدور خاوية عارية والابواب والنوافذ مخلعة محطمة ، فجئنا لبنان كما نحن ، لا نملك شيئاً ، وان كل هذا يهون في سبيل القضية الاخيرة ... »
ثم اردفت تقول : « ان الحفاوة التي نلقاها من اخواننا اللبنانيين والعطف الذي خبرناه من لجنة فلسطين الدائمة وهيئة الصليب الاحمر اللبناني ، كل هذا لما يبعث في قلوبنا العزاء الجميل لاننا نشعر بانكم تشاطروننا احزاننا عن صدق عاطفة ... والله نسأل ان لا يريكم مثلما رأينا وخبرنا .
فهدأت من روعها ما استطعت وانتقلت الى غرفة ثانية ..

