وقد اكد لي بعض الشبان الفلسطينيين انه لو كان لديهم سلاح للدفاع عن اراضيهم وارواحهم لما جال الفرار في خاطرهم وهم الآن يتمنون العودة في الحال والاشتراك مع الجيوش العربية ، شرط ان يجهزوا بالسلاح والمعدات الكافية ، اما رجوعهم على حالهم الحاضرة فهو اقرب الى الانتحار والتفعل منه الى الوطنية والحكمة .
وجاهر لي صديق وهو بادي الالم قال :
« لقد فقدت ابي منذ شهرين ، وتعلمين كم يسبب موت الوالد من حرقة وأسى ، لكن اؤكد لك ان مغادرتي للقدس كانت اشق علي بكثير ، فلا راحة لي البتة ما لم تعد فلسطين عربية حرة »
وكبر في عيني هذا الشعور الشامل ولكني لم استغربه لانني اؤمن بهذه العاطفة القومية التي تدفع الشعوب الى الاستشهاد في سبيل الحق .
أ.ج.س
منذ ان تفتحت اعيننا للنور وفي رؤوسنا فكرة نتوارثها عن بعضنا ان اليهودي جبان واني لاذكر والدتي تؤنب اخي مرة بقولها : « تخافي مثل اليهودي ؟ » وما خطر لنا في بال ان هذا الجبان قد ملأ الحقد جوانب نفسه فيقدر بفلاحات دير ياسين الطاهرات واهالي حيفا العزل وعذاري طبريه واطفالها . قتل وشنت .
مرحباً واهلاً وسهلاً بالاخوان ، مرحباً بالتشتيت . انكم عند اهلكم واقربائكم لستم مشتتين . لقد فقدتم اموالكم واهلكم وتمتلكاتكم ولكنكم لم تفقدوا ما بقي ويبقى في الدنيا . لقد بقيت لكم كرامتكم وبقي صوت شهيداتكم وشهدائكم ليذكر البشرية بظلم الصهاينة ومن يشد ازرهم . لقد سجل التاريخ للعرب نضال الاخلاق نضال الخير ضد الشر .
انا في حي الكرننتينا حيث تستقبل الالوف من اللاجئين . لاجئو حوادث حيفا وصفد والهراوي وعين الزيتون ويافا يستقبلهم الكشاف ويؤمن مسكنهم واعاشتهم وتأتيهم منظمة الصليب الاحمر بما ارسل لهم اهالي لبنان من ملبوس
فتطهره وتعقمه وتأخذ العائلة الواحدة للجمام تعقم ثيابها وترى حاجتها من الملبوس فتؤمنه لها . ولقد نظم الصليب الاحمر عمله بصورة مرضية فاستعان بسيدات البلاد لتشرف معه على توزيع الالبسة ونظافة اللاجئين منعاً لتفشي الامراض .
تقدمت من جماعة من الاطفال وسألتهم ان يخبروني ما رأوا قبل مغادرتهم فلسطين فتسابق الصغار يتكلمون فلم افهم الا : الهاغانا .. والسنكه .. طخوا ابي .. طخوا امي .. الشيوعي والمشينغن .. تالله ماذا سيكون من تأثيرات نفسية واجتماعية فيما بعد على هؤلاء الصغار ؟ لقد منعت خادمتي من ان تقص على ابنتي اي شيء مخيف او تهددها بشيء يصرفها الى الخوف حتى لا يشوش تفكيرها بالمستقبل شائبة ... وهؤلاء ؟ !
وتكلمت مع احد القادمين من ضواحي حيفا عن سبب مجيئه الى لبنان قال لاطمئن على الوالدين والاخوة . اودعهم في مأمن واعود .
- وماذا كان يهددهم هناك ؟
- كل شيء يا ست : الخوف من التعدي على النساء والعجز والاطفال وسلب الارواح والاموال والشرف . العربي يا ست غير اليهودي فهو يخشى اموراً كثيرة . اليهودي تحافظ على امواله الوكالة اليهودية وتسلحه جيداً فتحافظ على روحه اما شرفه فلا يخشى عليه شيئاً ولذلك يحارب وهو مرتاح البال .
- ولماذا لا تمنعهم ؟
- ما عندنا فشك . كنت وثلاثين محارب فلما خلص منا الفشك هجم علينا الهاجانا . ماذا نعمل بلا فشك ؟ كان معنا رجل « كدع » يلقب بابي الرصاص . لما خلص « الفشك » منه حمل ابنه الوحيد واصطحب امرأته وبندقيته الفارغة وحاول النجاة بهم ولكن الهاغانا هجم عليه واختطف الولد منه رامياً اياه كما تقذف الكرة في الجو وجر المرأة مسلماً اياها لرفاقه ، وهجم على ابي الرصاص الذي حاول الدفاع ببندقيته الفارغة ، فبقر بطنه بحربته ، وكان بالقرب من محدثي لاجئ يستمع لما يرويه فبادره :
- اومات ابي الرصاص ؟
- آه ..
