قصة الشهر
الصَّقر

كان في فلورنسا شاب يدعى «فديرجو» اشتهر في الولاية كلها بتفوقه على فتيانها بالبراعة في العاب السيف، وبرقة الحاشية، وادب النفس. وما لبث ان وقع فيما يقع فيه الفتيان، وقع في حب غادة تدعى «مونا جيوفانا»، عرفت في زمانها بانها من اجمل الحسان.
واراد ان يفوز بحبها، فعمد الى المبارزات، يعرض فيها افانينه، وراح يولم الولائم، ويقيم الحفلات، وينفق المال جزافاً، ولكنها كانت تجمع الى الحسن العفاف، فلم تكن لتحفل به.
وما لبث على الاسراف، حتى فقد ماله، وادركته الفاقة، فلم يبق له غير مزرعة صغيرة لا تكاد تكفيه، وغير صقر يعد من احسن الصقور في العالم.
وبرح الحب به، واشتد الجوى، ولم يعد يملك اسباب العيش في الحضر، كما كان يهوى. فرحل الى الضيعة يقضي فيها اكثر الوقت، مرسلاً صقره في طلب الصيد، لا يسأل الناس شيئاً، صابراً على الفاقة.
وبينما هو بعيد عن المدينة، ألمت علة بزوج «موناجيوفانا» واشتدت وطأتها عليه، وشعر بانه يدنو من الموت، فكتب وصيته، وكان غنياً، وليس له غير ولد واحد، وكان يحب «مونا» اشد الحب، فجعلها وريثته من بعد ولده اذا مات ولم يعقب.
وحزنت الزوج على زوجها بعد مماته، وذهبت مع ولدها الى دار لها في الريف تقرب من الضيعة التي يقيم فيها «فديرجو»، لتقضي عام الحداد.
وحدث ان الفتى اتصل بفديرجو فقامت بينهما صحبة توثقت على الايام. وفرح بالكلاب والطيور، وكثيراً ما رأى الصقر يطير، فتمنى لو كان له، ولكنه لم يجسر على طلبه من فديرجو لما تبين له شدة اعتزازه به.
وذات يوم مرض الغلام، فقلقت عليه امه اشد القلق فجعلت تقضي اليوم كله الى جانب فراشه، ترفه عنه وتسليه، وتسأله هل من شيء يريده، وتقول له: «اطلب ما بدا لك، فاني واجدته لك ما استطعت اليه سبيلاً.»
وألحت عليه في ذلك، فقال لها: «يا اماه، اذا انت جئتني
بصقر فديرجو فاني لا شك بارىء من علتي».
فأخذت الام تفكر في الامر ملياً، لترى ماذا تصنع، لقد كانت تعلم ان فديرجو يحبها، ولكنها علمت ايضاً انها لم تجد عليه يوماً بنظرة منها تسعد النفس، وتعزي الحب بالامل.
وذهبت تقول لنفسها: كيف اذهب اليه أو ارسل في طلب الصقر منه، وقد سمعت انه خير صقر، بل كيف ارضى لنفسي ان انتزعه من رجل لم يبق له سلوة في الدنيا سواه.
وكانت على يقين من انها لا تكاد تطلبه منه حتى يعطيه، ولكنها ظلت حائرة لا تدري ماذا تقول لولدها.
ولكن حبها لصبيها تغلب في النهاية على كل شيء، فاعتزمت ارضاءه مهما يكلفها هذا الارضاء من ثمن. ولم تشأ ان ترسل الى فديرجو رسولاً، ورأت ان تذهب هي اليه.
وتوجهت الى الغلام تقول: «اطمئن يا بني ولا تقلق، فسأذهب غداً في طلب الصقر وسأعود به اليك».
وما سمع الغلام قولها حتى فرح وانتعش، وذهبت امه في الغداة وفي رفقتها احدى النساء تجول جولة في القرية، موهمة انها خرجت للرياضة، حتى اتت على ضيعة فديرجو فسألت عنه.
وكان في البستان يعمل في الارض، فقد كان الجو معتكراً من أيام فلم يخرج بصقره للصيد.
لشد ما استولت الدهشة عليه حين قيل له ان مونا بالباب تسأل عنه. ورأته مقبلاً عليها، فخفت لتحيته فاتنة تأسر اللب. حياها بأدب.. فأنشأت تقول: «كيف انت يا فديرجو وكيف حالك؟ لقد جئت اكفر عما كان مني. لقد احببتني فافرطت في الحب وتأذيت به. وقد جئت لأتغدى معك اليوم انا وصاحبتي لاثبت لك اني نادمة على ما بدر مني»
قال في ادب بالغ: «سيدتي، لست اذكر اني لقيت منك شراً في يوم من الايام، ولا انك اتيتني بمساءة قط. ولو كان بي اليوم بقية تحمد فهي من ذلك الحب، وهي بعض مالك من حمد.. ان زيارتك الكريمة هذه عزيزة على نفسي، حتى لوددت لو كان لي ما في الارض جميعاً لانفقه مرة اخرى. كما انفقت اول مرة. ولكنك جئت اليوم رجلاً فقيراً»
ودخل بها الى البيت، ومنه الى البستان، ثم قال: «تفضلي يا سيدتي هنا فاجلسي مع هذه المرأة الطيبة، زوج هذا البستاني
