لست معنياً الآن بما جاء في امر الوالدين واحترام الابناء لهم أو بما جاء فيهم من تعاليم دينية واحاديث نبوية واقوال ادبية . بل انا معنيّ بشيء واحد هو وحي الامومة في الشعر العربي ليس الا...
يلاحظ عند استعراضنا للشعر العربي، وذلك في جميع عصوره انه لم يكن للام أو للامومة نصيب فيه فقد خلا من ذكرها أو كاد . واكثر ما يدور شعر القدامى على المرأة كحبيبة حيناً وكعشيقة حيناً آخر . والتشبيب من هذا القبيل هو أو لعله اوسع ابواب الادب تقريباً . اما ادب المرأة كام لها منزلتها ومكانتها فلا تجد له اثراً . ولعل ذلك عائد الى نظرة الشرقيين الى منزلة المرأة في المجتمع الانساني . وهو ذا جرير الشاعر الاموي يخجل من ان يبوح بعاطفته المكبوتة يوم وقف يرثي زوجته فيقول :
والمتنبي وهو يرثي أمّ سيف الدولة أو اخت سيف الدولة لا يرى مندوحة من الاستدراك والمداورة ليظل في مأمن من ألسنة النقاد فيقول :
والظاهر ان هذه النظرة الشرقية للمرأة قد اخذت تتغير الى نظرة معاكسة أو بالحري الى دعوة صريحة لاحترام النساء والاخذ برأيهن واشراكهن في المستطاع من اعمال الرجال . وذلك اثر من آثار المدينة الغربية التي اخذت بناصر المرأة اخيراً . على ان الفنون الجميلة الغربية كانت قد سبقت الى مثل هذه الدعوة فرأينا المرأة والام بصورة خاصة
تشغل قسماً كبيراً من اوقات الفنانين من موسيقيين الى شعراء الى مصورين . وذلك لا على اساس سياسي اجتماعي كما دعا قاسم امين وامثاله بل لاعتبار المرأة عنصراً حيوياً في بعث الفنون وخلقها والايحاء بها . وعليه فقد جاءت الامومة بمعناها السامي صفحة خالدة في سفر الفنون الجميلة انبرى الفنانون لتخليدها على لوحة الفن بكل مواهبهم الفنية ومن شاء فليذهب الى متاحف الفاتيكان وغيرها من متاحف اوربا ليتحقق ذلك بنفسه وربما جاء فيكتور هيكو احد شعراء فرنسا الخالدين في طليعة شعراء الامومة في العالم وهو الذي اليه تنسب قصيدة قلب الام التي نقلها الى العربية الشيخ ابراهيم المنذر ، فهي بحق من اروع ما تخيل الشعراء في هذا الموضوع . والقصيدة تدور على اغراء ولد بالمال اغراء دفعه للتضحية بقلب امه ، فما لبث هذا الابن العاق ان عاد به مرفوعاً على رأس خنجره ولكنه وهو يجري مسرعاً عثر فتدحرج القلب وتعفّر بالتراب واذا بهذا القلب الدامي لا يزال يخفق بالرحمة فيقول الشاعر :
وهكذا كانت الامومة ينبوعاً صافياً للشعر وباعثاً قوياً على خلقه وابداعه . ويتخيل الشاعر القروي حادثة ثانية هي في نظري على غاية من جمال التخيل المبدع الخلاق : قيل ان شاعراً توفاه الله وكان صالحاً طيباً . فانعم عليه سبحانه بسكنى النعيم غير ان هذا الشاعر لم يرض بهذا الثواب فضج وضج به اهل السماء واخيراً يسأله عز وجل قائلاً ما شكاتك يا هذا فيجيب انه يرغب بالعودة الى حضن امه حيث النعيم الحقيقي . وهنا اراد الله ان يكشف سر هذا النعيم فاذا بروحه تتجسد في شخصية المسيح واذا به طفل في حضن البتول قال :
هذا وللشاعر الياس فياض شقيق الدكتور نقولا فياض الشاعر والخطيب اللبناني المعروف قصيدة في موضوع : ( النسيم العاشق ) يخلص فيها الى مغزى جميل رائع هو مغزى سلطان الامومة القاهر الذي استطاع بحنانه ومحبته ان يحول الاعاصير الثائرة الى نسمات ناعمة حنون . وخلاصة القصة ان النسيم هام باحدى الحسان فكان له معها خلوات جميلة داعب فيها شعرها وقبل ثغرها كل هذا والناس عنهما غافلون الى ان زوجها

