كم هي رحبة متقنة ، هذه الدرب المؤدية الى ضهور الشوير عروس المصايف عندنا . هي ملساء لمّاعة دكناء ... والسيارة التي تقلنا تختلس النظر نحو خيالها يركض وراءها بالسرعة نفسها ! وكأن هذه السيارة بشرودها ونفورها تستشعر الوحدة والوحشة ! فأين هي من حالها في العام الماضي ، عندما كانت تلاقي مئـات السيارات ، تتسابق بخفة ، صعوداً نحو الجبل ونزولا نحو بيروت .. فلا لوم على هذه السيارة ان هي شعرت بالوحشة ..
هذا ما كان يجـول في خاطري في اللحظـة التي قطعت رفيقتي علي مجرى افكاري ورفعت صوتها بانغام بلدية محبّبة كانت تتجاوب بهـا الوديان العميقـة وتأتلف ونسيات الغروب ، باعثـة في الاجفان شبه نعاس وكسل ..
اطبقت جفني اصغي بكل حواسي .. ونسيم الجبل البارد يبعث بشعري .. ومرت هنيهات ناعمه لذيذة ... كم هو رائع هذا النعيم المقيم الذي نحن فيه هنا في هذا البلد الهادىء الصافي ؟ هل نقدّر يا ترى النعمة التي نحن فيها ؟
وشعرت بالسيارة تقف فجأة وسمعت السائق ينبهنا من غفلتنا التي كادت تكون غفوة ! . وبلحظة واحـدة كنت على الرصيف امام مخزن : ا . ب . ث . اجيل نظري نحو كل الجهـات لالتقط مشهداً طريفاً انقله الى قارئات « صوت المرأة » فلهن هذه الفترة من نهاية يومي !
لنسترح قليلاً في المقهى المحاذي للطريق العام .. ان المقاعد تكاد تكون متلاصقة والازدحام على ازدياد متواصل ... ها الخادم يقترب ويسأل بأدب عمـا نريد . ـ لموناضه ... ـ وبعد خمس دقائق نجلس نشرب اللموناضة الباردة . هالاوركسترا بدأت تعزف تلك المقطوعة الكلاسيكية « لابالوما » ! ... ان الانغام الناعمـة المنسجمة تهدىء الاعصاب وتريح الحواس من عناء العمل .. وتراجعت في مقعدي في ارتخـاء وسكـون ، ارقب الحركة واستمع الى الجلبة المتعالية من الشارع ، ومن الزبائن في الداخـل ... واتفرس وجوه الناس عن كثب .. ان معظمها متشابه ، موحّد الطراز . فالغريب بينها قليل نادر ، واللهجة العامية متقاربة ...
ترتفع لهجة فلسطينية بين الحين والحـين فتشرأب نحو صاحبها الاعناق وتشخص اليها الابصار متسـائلة ، ونسمع كلمة : « لاجئين ! » .. مساكين هم هؤلاء ! ! يزداد عدّهم يوماً عن يوم ... نتـبيّزهم من وجوههم الكئيبة تصنع الابتسام ... ونظرات حائرة في عيونهم تنمّ عن خوف من مستقبل مظلم مجهول .
وجلس بالقرب منا فريق من الشبان الانيقين . عليهم مسحة بيروتية محققة .. انهم يتشاورون ويتفقون فيا بينهم لقضاء السهرة في سمـاع « كارمن بدي » تلك المغنية النحيلة الشقراء ، التي التف حولها منذ عامين طائفة من المعجبين والمحبين .. وذاع صيتهـا في الاوساط البيروتية والجبلية ، وسمع اسمها يـتردد على كل لسان ...
لن تتولد فيّ رغبة لمشاهدة وجــه كارمن بدي المقنع بالفن والاستماع الى صوتها الزائف .. فالى فندق قاصوف .. هيا بنــا نشاهد الرقص هناك فالساعة السابعة والنصف واليوم أحد فلا بد ان يكون هناك ازدحام وهرج ..
.. صدق ظني . ففي قاصوف استحال علينا ايجاد طاولة وكرسيين لا غير ! لي ولرفيقتي ! ولكن شكراً للظروف ها يد احد الاصدقاء تلوّح لنا من بعيد تدعونا



