
إلى جلبة القافلة المقبلة ، ويبلغ سمعها زغردة النساء وهزج الرجال فتقفل راجعة إلى خبائها مكتئبة واجمة .
« هيه ميسون » قال الجدل بن حنيف سيد بني كلب محادثاً ابنته : « هيه ميسون بنيتي ، لقد وافاك الحظ وابتسم لك الدهر فاليوم تزفين إلى سيد الشام معاوية بن أبي سفيان . فهيا تهيأي لتذهبي إليه مع هذه
القافلة ، بنيتي ابتهجي ، فأي شرف تناله قبيلتنا بمصاهرة أمراء بني أمية ، وأي قسط من الحظ سيكون طوعك يا درة البادية ، قومي بنيتي إلى هودجك ، وابسمي للحياة واظفري بالسعادة ولكن ؟ لا تنسي البادية وشمائل البادية ، ولا تنسي قوماً يمتون إليك بالقرابة والمودة ، يعيشون عيش الشظف في هذه الصحراء النائية .
وما أسرع ما تبدلت حال ميسون فأصبحت سيدة القصر الأموي الآمرة الناهية ، بينما لم تكن لتملك قبلاً الأخيمة وبعض ما فيها من متاع - وشاء معاوية بن أبي سفيان فأمر ألا يخلو ربع زوجه من عازفات وراقصات ووصيفات وقيان ، وكل إليهن جميعاً أمر إدخال السرور إلى قلب ميسون ، فاحترق البخور في المجامر المعدة له بفناء القصر ، كما امتلأت جوانب القاعة الكبرى بشجي الألحان وأعذبها ، هذا وقد جلست ميسون لتستمع إلى جميع ما يعرض أمامها من ضروب اللهو فاتكأت على أثمن الأرائك ، وتحلت بأنفس المجوهرات ، وأخذت تجيل الطرف في هذا الثراء الواسع والعيش الرغيد - ولكنها مع هذا عادت بذاكرتها
إلى وطنها الأول إلى البادية ، وما انتبهت إلى نفسها الأويدهاتشير إلى القيان أن « كفى » - فبدأ العزف وساد السكون بينما انبعث صوتها حنوناً جذاباً منشداً :
سكون مريب شمل الغرفة ومن بها عندما ألقت ميسون قصيدتها ، وما أتمتها إلا والعيون ترمقها والشفاه تكاد تمزقها غيظاً ، فكيف تمنع الموسيقى والغناء لأجل الحنين إلى خيام ورمل وفضاء ؟ ان هذا لإجحاف ونكران ! أي نكران للنعمة ! وينبعث من أقصى القاعة صوت أجش هازيء ، هو صوت أحدى الوصيفات وهي تقول : أخواتي ، بادرن إلى الغناء ثانية واعذرن أميرتكن لأنها - بدوية !
