


« برباره يونغ » شاعرة اميركية عاشت مع جبران في سنواته الاخيرة ، وتجلت لها عن كثب تلك الشخصية الفذة .. شخصية جبران الغنية بالألوان والظلال والرموز .
وعلى اثر وفاة العبقري العظيم كتبت « برباره يونغ » كتاباً صغيراً عن صديقها جبران بعنوان : « هذا الرجل من لبنان »
وقبل الحرب الاخيرة قامت الشاعرة الاميركية بزيارة الى البلاد التي ولد فيها الشاعر ، وتنبهت آثار طفولته في الدروب والمنحدرات والاودية التي رافقت تلك الطفولة فاغنتها بالمواهب العميقة ، وعادت الشاعرة الاميركية الى بلادها لتكتب كتاباً جديداً في صديقها الشاعر بعنوان « صديقي جبران خليل جبران » تنقل الى قارئات « صوت المرأة » بعض فقراته المترجمة .
من غرائب المصادفات انني اسطر هذه الكلمات ، والعاصفة قد اشتد سعيرها والسيول تنهمر من الاعالي فتحيل الارض انهاراً وبحاراً ، والاشجار تمايل جذوعها وتضطرب اغصانها ، فكأن روح جبران ترفرف حولي وانا اكتب عنه . فلقد كان شديد الشغف بالاعاصير والعواصف ولطالما سمعته يقول انه كان يحس بعقدة تحل ، وبحرية يطلق عنانها ، كلما هبت رياح ، وتساقطت امطار واشتدت اعاصير .
نحن في سنة ١٩٤٤ ، اي بعد مضي ثلاث عشر سنة على فراقه هذه الدنيا التي كان يحبها ، وبعد مضي عام وستين عاماً على قدومه اليها . لقد كانت حياته قصيرة
اذا اتخذنا الاعوام مقياساً لها . ولكن جبران لم يتخذ الزمن مقياساً لحياته . ولم يتخذه مقياساً لتفكيره . فقد كان يقول على الدوام : « ان الابدية لنا » ولم يكن هذا مجرد قول ، وانما عقيدة ثابتة وجه بها حياته . « الروح اشد بأساً من المكان ، واقوى من الزمان ، واسمى من النجوم » هذا ما كان يتردد دواماً على لسانه .
يعرفه العالم الغربي شاعراً ورساماً ، ومؤلفاً لذلك الكتاب ذي الغلاف الاسود « النبي » الذي قال عنه مؤلفه : « بينما كنت اكتب « النبي » ، كان « النبي » يكتبني . ويعرفه نفر قليل من العالم الغربي كما عرف نيتشه ورتشارد فاجنر .
اما جبران الذي قلما يعرفه غربي أو شرقي ، فهو جبران الرسام ، الذي خلف ارثاً لا يقدر بمال ولا ثمن ، ولا يكاد يصدق بروعته او يحلم بوجوده ، اكثر من بضع مئات من الانفس على وجه المعمورة وليست الصور التي رسمها قلمه على صفحات كتبه الانكليزية العشرة سوى دليل على ذلك الارث النفيس .
قصاصة من الورق ، وعقب من الرصاص ، هما كل ما كان يحتاج اليه جبران ، ليعبر لك عن صورة من صور الجمال ، لا تتعدى خطوطاً وظلالاً ، ولا تفوقها الوان بالفرشاة على رقعة من القماش ولسنا نغالي اذا قلنا ، انه عندما يصدر