■
نحن النساء نعبد الله.
وقبل أن تغمرنا أنوار الألوهية انقطعنا لعشتروت ربة الحب.
وما الحبّ — عندما تصفو مناهله — إلا رمز للتجلي وللانطلاق.
والنفس، عندما تحب، تسمو عن الدنايا خالصة، طهورة من البغض ومن الحسد ومن الحقد ونيرانه الآكلة. الحقد! ذلك الشيطان ذو الأرواح السبع الشريرة.
النفس — ساعة تحب — تنفلت، فتنطلق، فتتحرر من أشواكها وصلبانها ومساميرها جميعاً.
إذاً ليس الحب سوى الحرية.
■
لم تكن الحرية عند الرجال الذين ولدوا مثلي، أيام ظلام سبق فجر القرن العشرين شيئاً روحياً غير ملموس. كانت جنية أمّارة سحرت كوكبة من أهل الوعي، وكبلتهم قيد إرادتها. كانت ترفع أصبعها — كما في الأساطير — فيمشي عبّادها، ثم تضع أصبعها على فمها فيقفون ويحبسون الأنفاس، ثم تغمز بعينها فيلبسون وجوهاً كاذبة، ويتجلببون بالمكر مرتلين آيات المدح للطغاة وحكم الطغاة، ثم تنفرج شفتاها عن ابتسامة دلال خبيث مطمئن فينكفئون قائلين:
إن الساعة لم تدق بعد ولكنها ستدق!
هذا في عالم الرجال.
والنساء ؟؟
كنا في المدارس الداخلية نحظى «بالمهربات» تلك المقاطع المقصوصة من جرائد أحرارنا في مصر وأميركا.

وكنا قبيل إعلان الدستور العثماني بسنة نحفظ سراً قصيدتين لنافخ نسمة الحرية الشيخ إبراهيم اليازجي ونتلذذ بإلقائهما إلقاءً حماسياً ساعات مسامراتنا البريئة.
■
... ودقت الساعة
فأعلنت السلطنة العثمانية انضمامها إلى حلقات الديموقراطية الغربية وأخرجت الدستور من لحده. قالوا لنا يومئذ إن الحرية، تلك الحورية الحرساء، معبودة
النبات والطير والإنسان، قد استوت على عرشها.
فرح الناس في قريتي الكبرى — بيروت — وسار المتظاهرون يمزجون ويجدون، وتعانق شيخ وكاهن في إحدى ساحات المدينة وتأسست الحلقات للاتحاد وللإصلاح.
ولم تطل الفرحة.
لأن مكان الطاغية جلس طغاة، وبدل عبد الحميد جلس ألف عبد حميد. وقد هدفوا — أول ما هدفوا — إلى تتريك العناصر العربية وإلى إقناع اللبنانيين — ولهم مجلسهم وحكومتهم — بإرسال نوابهم إلى ندوة السلطنة العثمانية.
نفر اللبنانيون، ورفضوا التنازل عما في أيديهم.
أما الشباب في سائر الأقطار الشقيقة فسار حثيثاً إلى تأليف الأحزاب فتألفت جمعية «العهد العربي» و«جمعية اللامركزية» وسواها.
كانت الجماعات الاستقلالية، بعد خيبة أملها من شباب الترك، تنفخ في الناشئة روح التحرر، وكانت أرواحنا تختلج عند ذكر ذلك الفجر المرتقب، فجر الحرية لوطن يعيش الناس فيه إخواناً، يعبدون ربهم — كلٌ كما يشاء — ويتنفسون نفساً طويلاً في وطن مستقل، منعتق.
وإنني باعتزاز أسجل أن المرأة البيروتية — بل قل الفتاة البيروتية —

